تقرير إخباري: هدمها الإحتلال اليوم للمرة الـ(90) وأهلها مستعدون للبناء كل يوم.. قرية “العراقيب” في النقب الفلسطيني.. مشهد لنكبة مستمرة منذ العام (48)

رام الله – الشروق – محمـد الرنتيسي:

تتعرض منطقة النقب في الجنوب الفلسطيني المحتل، لعمليات تهجير ونهب للأراضي، منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي في العام (48)، تارة تحت حجج واهية، وتارة أخرى بذرائع عسكرية وأخرى مدنية، والنتيجة واحدة، استهداف المواطن الفلسطيني في أرضه، بحيث يتم اقتلاعه منها وتسخيرها لخدمة المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية.

ويتهدد المخطط الإسرائيلي أكثر من (45) قرية في النقب العربي الخاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من ستين عاما، ويقطن في هذه القرى أكثر من (80) ألف نسمة، ترفض سلطات الاحتلال الاعتراف بهم، ولا توفر لهم أي خدمات أو مرافق عامة، وقرية “العراقيب” ما هي إلا واحدة من هذه القرى التي تعيش الصراع الدائر على الأرض هناك.

ومنذ عدة عقود، أطلقت سلطات الاحتلال مشروعاً لتهويد منطقة النقب، تحت غطاء تطويرها، حيث صادرت بموجب هذا المشروع آلاف الدونمات من السكان العرب، وأقامت عدة مستوطنات يبلغ عدد سكانها حاليا نحو نصف مليون مستوطن، بما يفوق عدد السكان العرب في تلك المنطقة.

وتشهد منطقة النقب أحداثا هي الأشد سخونة في الداخل الفلسطيني، حيث تعمد حكومات الاحتلال المتعاقبة إلى تهويد المنطقة وتهجير سكانها، وتعد الهجمات المتواصلة والمتعاقبة التي تشنها سلطات الاحتلال ضد قرية العراقيب، بمثابة تحول مفصلي في المخطط الاستعماري، الهادف لتهجير سكان المنطقة، حيث تعرضت القرية للإزالة والهدم بالكامل (90) مرة، كان آخرها اليوم.

وأخطر ما في الأمر، أن عمليات هدم القرية وإزالتها عن الوجود، عادة ما تتم عبر قرار رسمي صادر عن أعلى المستويات في حكومة الاحتلال، كما يدور الحديث وفق مصادر إسرائيلية عدة، عن تشكيل لجنة خاصة لمتابعة عملية إبادة القرية ومثيلاتها من قرى النقب، وضمان عدم رجوع سكانها بعد هدم منازلهم وتهجيرهم منها وتركهم دون مأوى، ما يؤكد وجود مخطط احتلالي لتصفية الوجود العربي في النقب.

وتشير معلومات من العراقيب، إلى أن القرية أقيمت قبل الإعلان رسمياً عن إقامة “دولة إسرائيل”، وحتى قبل تشكيل “المنظمة الصهيونية”، ويؤكد الأهالي على حقهم في أرضهم التي ورثوها عن الآباء والأجداد، وأنهم وحدهم أصحاب الحق فيها إلى الأبد، وهم يرون في السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه قريتهم، مخطط لإزالة القرية ومصادرة أراضيها بعد طرد أصحابها منها، بغية إقامة المستوطنات عليها.

وفي كل مرة تهدم فيها سلطات الاحتلال منازل القرية وتحولها بفعل جرافاتها العسكرية الضخمة إلى حطام ورماد، يلجأ الأهالي لنصب الخيام على أنقاضها، تمهيدا لبنائها من جديد، في تحدٍ واضح لسياسات الاحتلال، وتأكيداً منهم على تمسكهم بأرضهم.

ويروي أحد مشايخ قرية العراقيب، تفاصيل عمليات الهدم المستمرة لقريته، فيقول: “عادة ما تفاجئنا قوات الاحتلال بعد محاصرة القرية الآمنة وعزلها عن القرى الأخرى، حيث تداهم القرية على حين غفلة، وتقوم بتفريق السكان وتوزيعهم، للحيلولة دون تمكّنهم من مقاومة عمليات الهدم، لتبدأ الجرافات بعد ذلك عملها، وتزيل كافة معالم القرية بطرفة عين، دون رحمة أو شفقة بالمواطنين، ودون مراعاة لحالات الحر الشديد نهارا، أو البرد القارص ليلا في المناطق الصحراوية.

ويوضح يوسف أبو زيد، عضو لجنة الدفاع عن العراقيب أن عمليات هدم المنازل في القرية وبقية قرى النقب الأخرى، مستمرة من عدة سنوات، لكن أن تزيل سلطات الاحتلال واحدة من هذه القرى بالكامل، كما حدث مراراً في العراقيب، وتترك الأهالي يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وسط الصحراء اللاهبة، فهذه ظاهرة جديدة وخطيرة، ولا يستوعبها عقل بشر.

ويبلغ عدد قرى النقب غير المعترف بها من قبل الاحتلال نحو (45) قرية، تمتد على نحو مليون دونم، ويسكنها أكثر من (80) ألف مواطن، يتهددهم شبح الهدم والتشريد في كل لحظة، ضمن مخطط يصفه السكان العرب بـ”النكبة الثانية” لفلسطينيي النقب.

وتشكل قرية العراقيب، قصة صمود أسطورية في مواجهة سياسات التهويد في النقب العربي، فنرى تصميماً عالياً من قبل الأهالي على الصمود والثبات من خلال إعادة بناء القرية حتى لو هدمت كل يوم، حتى أنهم يرفضون تسمية المنطقة بـ”غير المعترف بها”، ويعتبرون ذلك تسمية إسرائيلية، إذ أن قرى المنطقة موجودة وقائمة قبل قيام الكيان المحتل.

ولعل ما يجري في النقب من أسرلة وتهويد، ليس بعيداً عما يجري في القدس المحتلة، حيث تُجنّد سلطات الاحتلال كل إمكانياتها لتهويدها، زاعمة بأنها عاصمة الدولة اليهودية، وأن مسجدها الأقصى المبارك، يقام على أنقاض “الهيكل المزعوم”.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *