الضربة الإسرائيلية لسوريا.. والخطوط الحمراء

بقلم: حسن مليحات / كاتب وباحث إستراتيجي:

وسط التعقيد الشديد في المشهد السوري وتشابك ملفاته وأرتباطها الوثيق بالمشهد الدولي والأقليمي الذي بدأت معالمه تتضح شيئا فشيئا ،وبعد ما أفضت نتائج الحرب الكونية على سوريا الى كسر قواعد الأشتباك القديمة وأستبدلت بمعدلات ردع جديدة وازاء المناورات العسكرية الأسرائيلية التي بدأها الجيش الأسرائيلي بتاريخ 5/9/2017 والتي تحاكي حرب مع حزب الله   ويحاول فيها نتنياهو أسماع صوته وغضبه من تسارع وتيرة الانتصارات العسكرية السورية في حربها ضد الارهاب والجماعات التكفيرية  وخاصة ما يحدث حاليا من تحرير لدير الزور في الشرق السوري  والذي تبشر بنهاية سريعة للحرب واندحار ادواتها الارهابية جاءت الضربة الصاروخية الاسرائيلية على موقع عسكري سوري في منطقة مصياف في ريف حماة  حيث قامت اربع مقاتلات اسرائيلية فجر الخميس بتوجيه تلك الضربة التي تعد الاولى من نوعها منذ بدء سلايان الهدنة في سوريا في تموز/يوليو 2017 وقد أدت تلك الضربة الى مقتل جنديين سوريين بالاضافة الى خسائر مادية .                                 

على وقع الضربة الأسرائيلية لا بد من الوقوف عند الكثير من المحطات لفهم التقييم الاسرائيلي لمجريات الاحداث في سوريا وما سيتركه من أُار وتداعيات على امن اسرائيل في المديين المنظور والبعيد ، وليس خفيا على أحد ان الحسابات الاسرائيلية كانت تطمح للوصول الى نتائج مختلفة كليا عما تتجه اليه الامور ميدانيا على الارض السورية اليوم وما يحققه الجيش السوري وحلفائه من انتصارات وما يمكن ان يتركه ذلك من اثار ونتائج تمس اسرائيل على مستوى تحديد الأستراتيجيات في التعاطي مع المرحلة المقبلة .                                                           

 أزاء هذه الحالة السياسية والعسكرية التي تميل فيه الكفة في الميدان لصالح الجيش السوري وبالعودة الى بداية الازمة السورية  كان قادة اسرائيل يقفون في صف الذين راهنوا على نجاح المجموعات المسلحة في أسقاط الحكومة السورية والرئيس السوري بشار الاسد منذ الاسابيع الاولى للأزمة ، والقراءة الاسرائيلية الخاطئة للاحداث في سوريا لم تكن مجرد عملية تكهن حول مجريات الازمة وانما استندت الى رغبة اسرائيلية لدى المؤسسة الامنية والسياسية في كسر سوريا   واعتمدت اسرائيل فيها على عمليات التدخل الجراحي على المستوى العسكري تحت ذريعة الخطوط الحمراء الاسرئيلية والتي تقتضي عدم السماح بالاعداد لجبهة مقاومة بمحاذاة حدود الجولان او أدخال أسلحة كاسرة للتوزان الى حزب الله في لبنان ،هذا الجهد الاسرائيلي ترافق مع مد جسور التنسيق مع الجماعات المسلحة في سوريا للعمل على ابقاء الازمة السورية مشتعلة وتتقد اشتعالا لما يوفره ذلك من مكاسب لاسرائيل على مستوى استنزاف محور المقاومة وضرب مقدراته المادية والعسكرية  أضافة الى منح اسرائيل القدرة على المناورات داخل سوريا كلما اقتضت الحاجة الاسرائيلية لذلك.                             

المقاربة الاسرائيلية بقيت متماسكة حتى بدأ تقهقر مشروع الجماعات التفكيرية وانكفائها وقد عبرت اوساطة اسرائيلية عن خيبة املها من الموقف الامريكي الذي ترك وفق القراءة الاسرائيلية حلفاء واشنطن في مواجهة الجيش السوري وحلفائه ،خاصة بعد التوصل الى الاتفاق النووري مع ايران ودخول حزب الله الى الحرب في سوريا  ومساندته الجيش السوري ومن ثم المساندة الايرانية  والدخول الروسي الجبار الذي اعاد خلط الاوراق ونقل الجيش السوري من موقف الدفاع الى موقف الهجوم في حربه ضد الجماعات المسلحة ،حيث ان الدخول الروسي أرسى توازن دولي واقليمي يمكن ان يؤمن حلا سياسيا متوازيا باتت معالمه الاقليمية والدولية من المسلمات على الرغم من مأسي الحريق الهائل في سوريا ،فالانخراط الروسي في الازمة السورية لم يصل بسوريا الى بر الامان ولم ينجح بوقف الحرب او القضاء على الارهاب كما تعهدت القيادة الروسية مع بدء عاصفة السوخوي في طلائع مقاتلاتها الحربية ولكن الدخول الروسي منع في لحظته الاولى احتمال سقوط مؤسسات الدولة السورية في ايدي الجماعات التفكيرية المتناحرة ورسخ تدويلها فوق شبكة الصراعات الاقليمية في سوريا،بيد ان هذا التدويل أفضى في بداية المطاف ونهايته الى عامل توازن مقابل جموح دولي واقليمي بدأه تحالف واشنطن حربا بالوكالة عبر دعم الجماعات التفكيرية ، فلم تعد مراهنة تحالف واشنطن على انتقال سوريا من موقعها الى مواقعه الجيو سياسية ممكنه ،فهده المراهنة المنافية لطبيعة الجغرافية السياسية في سوريا ولطبيعة رجالها هي أشبه بالمراهنة على حروب الثلاثين سنة في اوروبا  .                                                             

لا بد من القول ان ما يحدث اليوم في العالم من ازمات متنقلة في الشرق الاوسط مع انتشار واسع لظاهرة الارهاب  انما هو مؤشر على ارتفاع حدة الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية ، لقد وصل التوتر في الاونة الاخيرة بينهما اشده بسبب السياسات الامريكية المتعجرفة التي تتبعها الادارة الامريكية التي تعبتر العالم شركة اقتصادية لجني الارباح والعقوبات الامريكية المفروضة على موسكو تظهر ذلك بوضوح ، للوهلة الاولى لقد تراءى للبيت الابيض ان قارة(اطلانتس) الاسطورية في هول عظمتها قد ظهرت في واشنطن وتحققت رواية افلاطون عن القوة الخارقة التي تسيطر على العالم ،فالغوغائية العربية الوحشية كما يحض عليها (برنار لويس) في كتابه (من بابل الى دراغومانز) لا تتهذب بغير كسر أنفتها ،وبما ان الالة العسكرية الامريكية قد غرقت في الوحول العراقية باكرا على غير ما ذهب اليه الخيال الامريكي اخذ واشنطن الظن الأثم بكسر الانفة العربية بالعدوان الاسرائيلي على المقاومة التي كسرت شكيمتها في حرب تموز 2006 ، ولكن ادركت امريكا لاحقا بان الامور في سوريا لا تدار بمعزل عن القيصر الروسي بوتين الذي يضبط الايقاع في الازمة السورية ويعرف مفاصل الحلول  والقوة جيدا خاصة من خلال حلفائه الذين اثتبوا انتصارهم على محور الولايات المتحدة الامريكية التي ادركت بانها لا تستطيع الخروج من الوحل السوري الا بالاتفاق مع روسيا فبدأت تتراجع في سياساتها رجوع القهقرى ، الامر الذي اثار حفيظة وحنق اسرائيل ودفعها الى توجيه ضربات صاروخية الى سوريا  وهنا تثور تساؤلات ما هي اسباب قيام اسرائيل بتوجيه الضربة الصاروخية الى منطقة مصياف في ريف حماة؟ وما هي الرسائل والاهداف من تلك الضربة ؟ .                                                                                                                  

ان المنطقة مليئة بالتطورات والتحولات والمشاريع فيما يتعلق بالازمة السورية وفي ظل هذا الواقع المعقد حاولت اسرائيل المحافظة على ما اعتبرته خطوطها الحمراء دون التورط المباشر في المواجهة العسكرية ، الا ان توالي انتصارات الجيش السوري وتزايد الحضور الايراني والروسي في الميدان السوري  وسقوط الرهانات الاسرائيلية على دور امريكي يمكن ان يوقف انتصارات الجيش السوري منذ استعادة مدينة حلب وتوقيع اتفاقيات وقف القتال في مناطق مختلفة من سوريا  ، الامر الذي اعطي الجيش السوري فرصة التفرغ لقتال داعش واخواتها  هذا الامر مثل أشارة انذار خطيرة بالنسبة لاسرائيل خصوصا مع عودة التواصل الجغرافي بين العراق وسوريا .                                                                                                                     

في ظل الاخفاقات الامريكية في سوريا وعدم اعتمادها استراتيجية واضحة وانما كانت سياساتها غبط عشواء  وازاء اظهار الامريكيين عدم اكتراثهم واستعدادهم لوقف تقدم الجيش السوري لجأت اسرائيل في محاولة اخيرة منها للحديث من الروس لاقناعهم بضرورة اخذ مصالح اسرائيل بعين الاعتبار  وعدم السماح لايران بالتمركز في الساحة السورية وتهديد امن اسرائيل  وقد تجاهلت روسيا المطالب الاسرائيلية الامر الذي دفع نتنياهو اثناء لقائه الرسوي الروسي بوتين بالتلميح بان كل الخيارات مفتوحه امام اسرائيل لمواجهة هذا التحدي ، وقد حملت الضربة الاسرائيلية الى سوريا عدة رسائل تتضمن بان اسرائيل لن تسمح بتعزيز قدرات القوات الايرانية في سوريا وانتاج اسلحة استراتيجية وان اسرائيل تنوي فرض خطوطها الحمراء بنفسها رغم تجاهل القوى الكبرى  وان الدفاعات الجوية الروسية لا تمنع اسرائيل من توجيه ضربات لسوريا في حالة المساس بخطوطها الحمراء .                                                                                                                                              


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *