“شارع فرعي في رام الله” لأكرم هنية .. رصد لحظات حسّية تمزج الخاص بالعام

كتبت بديعة زيدان:

“من زمن بعيد” لم يخرج الكاتب أكرم هنية بعمل إبداعي جديد، وبالتحديد منذ العام 2007، حين صدرت له مجموعته القصصية “دروب جميلة” عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمّان ورام الله، و”من زمن بعيد” هو العنوان الجانبي الافتتاحي لقصته الطويلة، الصادرة حديثاً عن دار النشر ذاتها، بعنوان “شارع فرعي في رام الله”.

فضّل هنية تبويب عمله السردي الجديد تحت بند “القصة”، وهي هنا “قصة طويلة”، وربما كانت أقرب إلى كونها “رواية قصيرة”، أو ما يعرف باسم “نوفيلا” في الغرب، والتي يرى البعض أنها ذلك المخلوق الأدبي الهجين فلا هو قصة ولا هو رواية، وأنه من ناحية 
موضوعية يغلب عليها (النوفيلا) السعي إلى السمو بالفكر، في حين يرى آخرون أن اصحاب هذه الأعمال عادة ما يخرجون عبرها شيئاً من أسرارهم، فيخبرون القراء فيها عن مشاعرهم وآرائهم وأحلامهم دون غيرهم، فالراوي غالباً هو أحد شخصيات العمل إن لم يكن الشخصية المحورية فيها، ولو بتصرف، وهو عادة ما يكون شاهداً على أحداث ما تلخص حقبة زمنية أو أكثر، أو تنحصر في جغرافيا بعينها أغلب الحالات، وهي سرد قصير محكم البناء، واقعي أو تهكمي النبرة في الغالب، فـ”النوفيلا” تركزت في نشأتها التي يعيدها الباحثون إلى إيطاليا، على كونها تتمحور حول أحداث سياسية أو عاطفية.

ولعل الكاتب هنا قدم تنويعاً جديدا على فكرة “النوفيلا”، فهذه القصة الطويلة، أو الرواية القصيرة، هي عبارة عن لوحات متفرقة ومتصلة إن وجد القارئ وسيلته لوصلها .. أشبهها بلعبة أو لوحة “البازل” (Puzzle) متفرقة القطع، والتي تشكل في مجوعها لوحة شاملة لرام الله وحياة الفلسطيني فيها عبر أزمان مختلفة تمتد منذ النكبة إلى يومنا هذا، وما شهدته المدينة بسكانها من تحولات سياسية واجتماعية عبر حكايات وذكريات لربما كانت جزءاً من سيرة صاحب “شارع فرعي في رام الله”، أو من سير من عرفهم، أو أخرى تحوم حولها.

وشكل المقهى بتحولاته في رام الله، حضوراً لافتاً في “القصة” كما سمّاها صاحبها، وهي مقاهٍ بعضها قديم وغالبيتها حديث، ظهرت بعض أسمائها في عناوين جانبية صريحة كـ”مقعد في برونتو”، و”عبق بستو”، أو تلميحاً كما في “صمت الياسمين” نسبة لمقهى “جاسمين”، في حين ذُكرت في المتن مقاهٍ أخرى بعضها حديث كـ “زمن”، ومنها ما هو قديم كذلك الذي في شارع “الحسبة”، وكان يعرف باسم مقهى “السنترال”.

ويرمز المقهى وفق العديد من الدراسات النقدية في السرد، علاوة على كونه مكوناً أساسياً للمشهد الحواري ومكاناً للقاء العشاق، إلى حالة الانتظار، كما يعتبر عنواناً لحالات الاسترجاع، والاستباق، وحتى الحوار الداخلي، وهو ما يظهر جلياً في “شارع فرعي في رام الله”.

ففي “صمت الياسمين” تتجسد حالة الاستباق، حيث يذهب الراوي وصديقه إلى مقهى “جاسمين” الشهير بصخبه، وازدحامه، و”صدى الحوارات السريعة، والضحكات القصيرة، والحركة الدائبة” لنادلي المقهى، و”أصوات ارتطام أكواب المشروبات الساخنة والباردة، وأطباق الطعام”، إضافة إلى صخب “شاشات الجوالات، والحواسيب الشخصية”، قبل أن يبوح لصديقه بشعوره الغريب عمرياً وفكرياً ربما “لكل مئة مواطن كوفي شوب في رام الله .. أين كان الشعب يقضي أوقاته” قبلها، ليتفاجأ بصمت مريب يتسلل بقوة إلى المقهى، فاختفت أصوات الحوارات ذات الإيقاع السريع، وانحبست الضحكات، وتلاشت أصوات ارتطام الفناجين بصحونها، وتوقفت حركة “الجرسونات”، وكف صديقه عن التخيل، وتجمدت حركة الأصابع فوق شاشات الجوالات .. “استدرت بجسمي نحو الشارع .. كان هناك جنود إسرائيليون ينزلون سريعاً من جيبات توقفت أمام المقهى، ويتقدمون وهم يشهرون رشاشاتهم إلى جاسمين”، فلم يعد الغريب غريباً، فالجميع تحت الاحتلال.

وبينما كان مقهى “زمن” مكاناً سريعاً للقاء تلك الثلاثينية التي تصغره بكثير، وأعجبته كثيراً أيضاً في “محاولة أخيرة …. ربما”، كان لمقهى “السنترال” حكايات أخرى انضوت تحت العنوان الجانبي “لفّة في المدينة”، التي تصطدم عادة كجولة عبثية لا هدف لها بحاجز عسكري من هذه الناحية أو تلك، هذا المقهى الذي يذكره بحكايات فراره يافعاً وأصدقائه من أمام بابه، خشية أن يلمحه أبوه الجالس مع أصدقائه، الذين من بينهم ناشطون في الحزب الشيوعي، وحزب البعث، وحركة القوميين العرب.. ومع كل عبور جديد أمام “السنترال” يستحضر حديث والده الحذر المتكرر عن جمال عبد الناصر، وحرصه على الاستماع لخطاباته من خلال الراديو الكبير في ردهة البيت، وكيف رآه بعد هزيمة حزيران، و”هو صاحب القامة الكبيرة … وقد هرم فجأة”، ثم “كيف بدا يستعيد قوته بعد معركة الكرامة وتصاعد العمليات الفدائية”.

وفي سبعة وتسعين صفحة شكلت القصة الطويلة، كما فضل صاحبها وصفها، يتحدث القاص أو الراوي بلغة غير متكلفة عن والده والنكبة وتراب قبره المرسل تهريباً إلى قريته المهجرة، ودور السينما التي لم يعد لها وجود في رام الله، وخاصة سينما “دنيا”، وارتباطها في ذاكرته بشخصيات لطالما تواجدت في ذلك المكان، وبأفلام الثلاثاء، والممثلين والممثلات الذين تملكوا حواسه ورفاقه المراهقين، وأشجار جبل الطويل التي لم يزرعها ورفاقه، وانتظار جعفر طوقان، والعالم بعد نديم نوارة الشهيد الذي هز رام الله ودواخل سكانها، هي التي رصد العديد من أحيائها في عناوين جانبية أيضاً، وفي المتن كما حال المقاهي.

ومن هذه الأحياء: الإرسال، والمصيون، وبطن الهوا، والطيرة، والمنارة وغيرها من جغرافيات رام الله ومواقعها، ومن مواضيع لا تنضب من نبض حي بين سطور حكايات تخلدها، هي ليست “نهايات متعسفة”، ولا “تفاصيل خارج المشهد”، ولا “قبر جديد”، في ما هو أقرب إلى “بث مباشر” لـ”وعد جديد”.

السرد في “شارع فرعي في رام الله” ينتصر للإحساس، فلا تفرغ من هذا العمل الأدبي دون أن يزرع في داخلك أحاسيسَ ما، وعادة ما تكون متناقضة، وفي بعض الأحيان متسقة، فالفرح يرافق الحزن، والانقباض ليس بعيداً عن فسحة أمل، والقصة أو “النوفيلا” كما أفضل تسميتها، لا تخلو من بعد فلسفي، كما بدا جلياً في العنوان الجانبي “لم تزرعوا الأشجار”، والتي تتلخص بعتاب ما بين رئيس بلدية سابق والراوي كواحد من طلاب مدرسة الهاشمية الثانوية سابقاً، كونهم لم ينفذوا نصيحته بالتوقف عن الإضرابات اليومية عن الدراسة في أواخر ستينيات القرن الماضي، والاستعاضة عن ذلك بزراعة الأشجار في جبل الطويل، لقناعته بأن أشخاصاً قادمين من وراء النهر قد يكونون بحاجتها “للاحتماء بظلها من جيش الاحتلال” .. بعد سنوات طويلة التقى الراوي ورئيس البلدية “أبو صالح” في بيت عزاء، مصوباً نحوه “ابتسامة ماكرة وعينين حزينتين، وقال: لم تزرعوا الأشجار”.

“جبل الطويل”، الآن هي مستوطنة تعرف باسم “بسغوت” أقيمت على أراضي البيرة، ولعل الراوي هنا يرصد حالة من الصراع الداخلي، أو الحوار الداخلي، عبر تساؤلات عدة منها “هل يا ترى لو زرع ورفاقه الأشجار لما أقيمت المستوطنة، ولاحتمى بالفعل القادمون من وراء النهر بظلها من الاحتلال، بل لربما أقاموا منازلهم فيها”، أم أنهم، وهي أسئلة أفترضها “حتى لو زرعوا الأشجار، كان المستوطنون سيقتلعونها، ويقيمون “بسغوت” أو يقيمون “بسغوت” ويتفيؤون بظلها من شمس فلسطين”؟!. 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *