أزمة الحرم القدسي: الحكومة الإسرائيلية تركع على ركبتيها بفضل أخطاء نتنياهو

بقلم: ألون بن دافيد / معاريف:

ترك عنوان واحد في «إسرائيل اليوم» الغبار لجميع كُتاب المقالات. ما الذي يمكن قوله ايضا بعد نجاح صحيفة الحكم في أن تدخل في عنوان واحد الاوصاف «ضعيف، خائف، لا حول ولا قوة له». منذ عقدين يقوم رؤساء الاركان لدينا ورؤساء «الموساد» و»الشاباك» بوصف بنيامين نتنياهو بهذه الأوصاف. وحتى الآن تم اعتبارهم يساريين، لكنّ شلدون ادلسون يقول ذلك الآن أيضا.
بعد مرور خمسين سنة على دعوة موتي غور المدوية «الحرم في أيدينا»، فإن هذا يذكرنا الى أي حد أيدينا فارغة. لاحظ العالم العربي كله رائحة العرق والخوف التي انبعثت من القدس، فاستغل هذه اللحظة حتى النهاية. التقت جميع القوى المتصارعة مع بعضها من أجل إنزال الحكومة اليمينية المتفاخرة على ركبتيها، حتى الخضوع المطلق. مرة اخرى كان هذا التفكير متسرعا ومتعلقا بالتغريدة التالية في الفيس بوك، الأمر الذي جعل القرارات متسرعة. ومرة اخرى يتعلم رئيس الحكومة أن هناك قوى أكثر تهديدا وأكثر قوة من نفتالي بينيت. لقد قام بازالة البوابات الالكترونية، وأبقى على الكاميرات. وأزال الكاميرات وأبقى على الجسور. وقام بازالة الجسور و»أمر» كعادته بالفحص اليدوي على مداخل الحرم. وفي نهاية المطاف تلاشى قرار الفحص اليدوي أيضا.
هناك جبال يحتاج احتلال قممها دفع ثمن باهظ. «جبل البيت» أخطر من قمة افرست. فهو القاسم المشترك الذي يمكنه اخراج الناس الى الشوارع من الرباط وحتى طهران، بل حتى جاكارتا. ومن يقوم بالتغريد على درج الطائرة دون تفكير مسبق وتخطيط ويعتقد على أنه يستطيع انشاء وضع جديد فان نهايته أن يكون خاضعاً وذيلة بين ساقيه. لقد نجحت القيادة في اسرائيل، هذا الاسبوع، في جسر الفجوة بين جميع الاعداء في العالم العربي والاسلامي والتقريب بين «حماس» وأبو مازن، بين الاردن وتركيا وقطر، وفي الطريق ايضا أعادت الابتسامة الى وجه الحركة الاسلامية في اسرائيل التي قمنا باخراجها خارج القانون قبل عامين.
منذ عقود تطأطئ اسرائيل رأسها أمام الاوقاف الاسلامية، ولا تحاول فرض سيادتها في الحرم. ومنذ سنوات تعمل الأوقاف على تدمير آثار تاريخية في الحرم من اجل محو كل اشارة إلى الوجود اليهودي في المكان. وفي الوقت الحالي بالتحديد، وفي ظل انقسام العالم العربي واستخدام «المخربين» للسلاح في منطقة الحرم لاول مرة، نشأت فرصة للتغيير، لكن هذا التغيير يجب أن يتم بحكمة ومع شركاء. إن وضع البوابات الالكترونية هو خطوة مهمة ومطلوبة حتى لو كانت لا تضمن عدم تنفيذ عمليات من هناك. ومن أجل القيام بخطوة كهذه، من شأنها تعزيز أمن المصلين المسلمين، كان من الضروري الحصول على موافقة الأردن والسعودية وتأييد السلطة الفلسطينية. كان من اللافت صمت الرياض في الأسبوعين الأخيرين، لكن أردوغان لاحظ هذا الفراغ وقام بملئه.
تم تضليل نتنياهو من قبل منسق اعمال الحكومة في «المناطق» بأن الاردن هو العنوان الوحيد فيما يتعلق بالحرم. وفي الوقت الذي أيدت فيه اسرائيل بالصمت الخطوة التي تهدف الى اعادة محمد دحلان الى قطاع غزة ذكرها أبو مازن بأن له ايضا مكانة في القدس.
لم يناقش الكابنت الخطوة التي يؤيدها افيغدور ليبرمان، وهي إعادة صديقه محمد دحلان الى غزة، والسؤال اذا كان هذا في صالحنا. في الوقت الحالي «الصديق» يطلب تصعيد المواجهة مع إسرائيل، بل يحث «حماس» على تشجيع المتظاهرين يوم الجمعة من اجل اجتياز الحدود الى إسرائيل. ولكن هذا هو الكابنت الذي لم يكلف نتنياهو نفسه عناء التشاور معه حول وضع البوابات الالكترونية. وعندما اصبح الامر اكثر تعقيدا سارع ننتنياهو الى عقد جلسة الكابنت.
انتهت الجلسة الاولى بالموافقة على وضع البوابات الالكترونية، رغم معارضة الوزراء غالنت وشتاينيتس الشجاعة، وتم الاعلان عن أن موضوع ابقاء البوابات سيفحص فيما بعد «على خلفية تقديرات الوضع وايجاد وسائل بديلة». ولكن بعد دقائق من ذلك نشر رئيس الحكومة اعلانا مختلفا جاء فيه أنه يمنح الشرطة صلاحية اتخاذ أي قرار. ومن بادر الى القرار هو المفتش العام للشرطة، روني ألشيخ، الذي تفاخر أمام الوزراء بأنه يقوم بترويض الاوقاف الإسلامية منذ سنة ونصف. واثناء سنوات خدمته الطويلة في «الشاباك» ظهر ألشيخ كأحد رجال الاستخبارات الجيدين. وبصفته كان مسؤولا عن منطقة القدس والضفة الغربية، فهو يفهم بالتأكيد تأثير الحرم في الشارع، لكنه لم ينجح في رؤية الصورة كاملة في هذه المرة.
اتخذ ليبرمان كالعادة خطا متشددا في موضوع الحرم. في جلستي الكابنت وقف بشدة ضد موقف «الشاباك» والجيش الاسرائيلي، وأيد ابقاء البوابات الالكترونية والكاميرات. وفي الجلسة الثالثة تراجع. الوحيدون الذين عارضوا التنازل هم نفتالي بينيت، الذي فرض على اييلت شكيد وزئيف الكين الوقوف في وجه رئيس الحكومة.

«الشاباك» كيس ملاكمة !!
يمكن أن نأمل أن المئة مليون شيقل التي خصصتها الشرطة لزيادة الأمن في البلدة القديمة في القدس ستستغل بحكمة. هذا مبلغ كبير يمكن من خلاله اقامة مشروع «مدينة ذكية» مع كاميرات تقوم بالتصوير عن بعد، وقدرة على التعرف على الوجوه، الأمر الذي سيزيد الأمن.
وبالتوازي يمكن تنغيص حياة الأوقاف الاسلامية بخطوات هادئة وناجعة دون الاعلان عن ذلك في الفيس بوك: فرض القيود على دخول الشاحنات مع مواد البناء الى الحرم، وأدوات العمل الثقيلة، ومراقبة كل أثاث وكل سجادة تدخل الى الحرم. هذه الخطوات لا يمكن اخراج الجموع الغفيرة بسببها الى الشوارع، لكنها ستذكر الاوقاف من هو السيد. بعد هذا الخضوع المخجل، فان الحكومة التي ترى بالفعل أن هناك حاجة لفرض سيطرة اسرائيل على الحرم، يجب عليها أن تناقش بشكل عميق، وأن تضع خطة هادئة وخطوات سياسية وأمنية تعيد تأثيرنا في الحرم.
في الوقت الحالي، الحكومة واعضاء الائتلاف يستمرون في الاضرار بشكل منهجي بجميع المؤسسات العاملة لدينا. بعد أن تحول الجيش الاسرائيلي في السنوات الاخيرة الى كيس للملاكمة، جاء، هذا الأسبوع، دور «الشاباك». لا توجد منظمة كاملة بدون أخطاء، لكن مقارنة مع الخدمات الحكومية فان الجيش و»الشاباك» و»الموساد» هي آخر جزر الرسمية، هذه المنظمات التي عندما تطلب الدولة منها أي شيء تقوم بتأدية التحية والتنفيذ.
العملية في الحرم – خلية الشباب المسلحة من أم الفحم – كان من المفروض أن يعلم بها «الشاباك». هذا فشل، وهكذا يعتبره «الشاباك» ايضا. لا يميل «الشاباك» الى التعطر بانجازاته، وهو يعتبر أن كل عملية ناجحة هي بمثابة خلل يجب التعلم منه. وكان من الصعب منع عملية حلميش، رغم تغريدة «المخرب»، الذي يوجد العشرات مثله ممن يصعب الوصول اليهم.
الحادثة في الاردن ايضا لا يمكن اعتبارها إنجازا: الحارس الذي لاحظ وجود نية وأداة، يجب أن يستخدم القوة من اجل تحييد الخطر. ولكن هناك حراس باستطاعتهم انهاء الامر مع عدد أقل من القتلى. رجل التبادل، الذي أعاد أحمد ياسين ويحيى السنوار الى البيت وحراس السفارة وجلعاد شاليت، كان يجب عليه ضبط نفسه وعدم نشر صورة العناق مع الحارس زيف. ولكن من جديد لم تنجح نظرته في الوصول الى عمان، بل إلى التغريدة التالية.
هذه الازمة ليست من ورائنا. فالشبكة مليئة بالتحريض، وهناك جهات كثيرة ترغب في ابقاء أجواء العنف. عندما يلاحظ العالم العربي ضعف إسرائيل فهو يحاول تحقيق المزيد من الانجازات. «حماس» في غزة التي كانت نائمة على مدى ثلاث سنوات تجد الآن صعوبة في البقاء مكتوفة الأيدي. وأمامنا بضعة ايام اخرى من التوتر.
العرب ليسوا وحدهم الذين يلاحظون الضعف: الرئيس ترامب قد لا يعرف من هو «حزب الله»، لكنه يعرف ملاحظة المناخ الصحيح من اجل تحقيق الصفقة. وقد اهتم ترامب ومبعوثوه بادخال الشريكين المستقبليين الى الاجواء الملائمة قبل الوصول الى هنا مع مسودة: أبو مازن يقرأ الخارطة جيدا ويتماشى مع الادارة الاميركية، ونتنياهو خائف. هذه بالضبط الاجواء الوحيدة التي يمكن أن تؤدي الى تفاهمات.
وقد وصف شخص ما نتنياهو ذات مرة كمن يشتري في السوق ويقوم بالمفاصلة الى درجة إماتة البائع. وفي نهاية المطاف يقوم بدفع الثمن الاكبر، لكن البائع يرفض رؤيته مرة اخرى. والمشكلة هي أننا جميعا ندفع هذا الثمن الباهظ.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *