في ذكرى النكبة: عائلة الشهيد نوّارة.. الجرح لم يندمل

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

للطفولة في فلسطين، معانٍ كثيرة، تتجاوز البراءة، وهو المعنى الوحيد لهذه الكلمة، في مناطق أخرى، وقد يقول البعض: “إن الفلسطيني يولد شاباً” وقد بيّنت الأحداث الدامية، الدائمة في فلسطين، صحة هذه المقولة، فلم تعد أفلام “الكارتون” تستهوي الأطفال الفلسطينيين، وباتت كل أحاديهم وحتى ألعابهم في “السياسة”.

إنهم يولدون عمالقة.. فهؤلاء الأطفال، يرضعون زيت الزيتون، ويرافقون الحجر، لكنهم يحتاجون لشيء من الأحلام البكر و”الطباشير”.. لشيء من الطفولة، التي باتت تستنفر وحشية القناص الإسرائيلي، الذي عوّد رصاصه على رائحة دم الطفولة، حتى بات الرصاص وحشاً لا يشبع!!.

قبل ثلاثة أعوام بالتمام والكمال، وبينما كانت جموع الفلسطينيين تحيي ذكرى النكبة، بتظاهرات حاشدة، توجهت من ميدان المنارة، وسط مدينة رام الله، إلى محيط سجن “عوفر” الاحتلالي، غرب المدينة، كان الطفل نديم نوارة (16) عاماً، يشارك زملاءه الطلاب، بصدر عارٍ، وأيدي فارغة، فوجوده في التظاهرة، كان الأداة الوحيدة للإحتجاج والمقاومة!!.. وكان الإصرار على التواجد، واضحاً في هيئته وتحركاته.

لكن أمام نديم ورفاقه، كانت قوات كبيرة من جيش الإحتلال، مدجّجة بالعتاد والسلاح، تبدو خائفة ومرعوبة، ومتحفزة للقتال، وعروق عنقها منتفخة!!.. لم تمهل هؤلاء فرصة لالتقاط حجارة الأرض، وقذفها على الجنود، فعاجلتهم بالرصاص الحي، ليرتقي نديم شهيداً، برفقة الشهيد محمـد أبو ظاهر، بينما أصيب آخرون بالرصاص، وإختناقاً بالغاز المسيل للدموع.

عائلة نوارة، لم تستكين، ولم تكتفي بوداع إبنها بزغرودة، كما جرت العادة في وداع الشهداء، بل إنها دخلت إلى “عين الكاميرا” وقررت محاكمة الجندي القاتل، مستعينة بتسجيلات وثّقتها كاميرات مراقبة، كانت مثبّتة على واجهة أحد المحال التجارية في المكان.

لقد “حصحص الحق”، من خلال تلك التسجيلات، التي أثبتت بالدليل القاطع، أن نديم لم يكن يشكل أي خطر على الجندي قاتله، ويدعى “بن ديري” وهو كغيره من الجنود، يعتبرون قتل الفلسطينيين جزءاً من عقيدتهم، وينفّذون ما يعتقدون أنه “الواجب” للدفاع المزعوم عن النفس!!.

“لن أنسى ما حييت، الطريقة الوحشية التي قتلوا بها إبني” قال صيام نوارة، والد الشهيد، وهو يستذكر التفاصيل التي شاهدها عبر تسجيلات الفيديو، ووثّقت لاستشهاد ابنه، ليحتفظ بها في ذاكرته التي “لن تنسى”.

وأضاف: “في خزانة نديم، خواطر، ومحاولات شعرية.. صور ورسومات، لكن في المقابل هناك مفارقات موجعة، بوجود غريزة متوحشة لا ترحم البشر، فإرهاب جنود الإحتلال، وشهيتهم لقتل أطفال فلسطين، وصلت إلى حالة، هي أشبه بطقوس العبادة!!، لكن على الرغم من ذلك، القضة الدموية التي أفضت إلى نهاية حياة إبني نديم، بدأت معها حياة أخرى، فعمِلتُ مع مجموعة من ذوي الشهداء، الذين اكتوت قلوبهم برحيل أبنائهم، على تأسيس جمعية “مساءلة” وهدفها حماية الأطفال الفلسطينيين، من خلال ملاحقة القتلة، وفضح ممارساتهم، ووضعنا أمام أعيننا شعاراً قوامه: “نريد حياة آمنة لأطفالنا، نريد لهم أن يدفنوننا، لا أن ندفنهم”.

وتابع: “ذكرى النكبة، تفتح في كل عام، جرحنا الذي لم يندمل، فأجواء الحزن لم تفارق بيتنا، ولم يدخله الفرح منذ استشهاد نديم، وأنا على يقين بأن الفرح لم يدخل بيوت من هُجّروا عن قراهم ومدنهم، منذ (69) عاماً، ولا زالوا يحلمون بالعودة، الشعور بالحزن يتكرر في منازل الفلسطينيين منذ النكبة”.

ويرى “أبو نديم” أن التأثيرات الناتجة عن معايشة الأطفال لأحداث استشهاد إخوانهم، أو أي من عائلاتهم، ستظل محفورة في ذاكراتهم، لتصبح جزءاً منها، منوهاً إلى احتمالات أن يتعرض الأطفال مستقبلاً، لإنفعالات وتغيير في الوظائف النفسية والإجتماعية لديهم، وهذا الأمر يستدعي ضرورة معالجة تلك المؤثرات، تحسباً من انعكاساتها الإنفعالية الحادة، التي تصل ببعضهم للشعور الدائم بالقلق والخوف.

يروي والقلق لا يفارقه على مستقبل عائلته وأبنائه: “في كل يوم يكون في بيتنا بكاء، زوجتي أم نديم لا زالت غير مصدقة أن نديم رحل دون رجعة، دائماً تقول لي، رائحة نديم في البيت، كأن نديم في أجوائنا.. أريد نديم، أحضروا لي نديم!!، أما شقيقته الكبرى رشا، فآثرت أن تحوّل دراستها الجامعية، من الأدب الإنجليزي إلى علم النفس، كي تعالج مستقبلاً عائلات الشهداء، وتخفف عنهم الآثار النفسية التي قد تلحق بهم، فيما الإبن الأصغر في العائلة، داني، وعمره (12) عاماً، زال تحت تأثير الصدمة، وتظهر عليه في بعض الأحيان، بعض الإضطرابات النفسية، وأحياناً تجده شارد الذهن، ولا أدري بماذا يفكر”.

“من هنا، سأعمل على افتتاح عيادة متخصصة، بالرفاه والطب النفسي، وسيكون دورها تقديم العلاج النفسي لأسر الشهداء والأسرى من الأطفال، دون مقابل” ختم أبو نديم، الذي كان يعمل “كوافيراً” لكنه لم يعد لهذه المهنة، منذ استشهاد إبنه، ونذر نفسه لخدمة قضايا الشهداء الأطفال.

 نقلاً عن “البيان” الإماراتية.

 

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *