الشهيد سبأ عبيد.. رحيله ينغرس وجعاً في خيم التضامن مع الأسرى

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

عندما تُقدم الحلوى بدلاً من “السادة” في بيوت عزاء الشهداء في فلسطين، يتوجب على الإحتلال، أن يقف مع نفسه، ويراجع حساباته، فالشهداء، وإن غابوا بأجسادهم، فإنهم يعيشون في ذاكرة المكان والزمان، ويرتقون في نفوس أهاليهم، فهم يعيشون بأرواحهم بين الأحياء، بل إن الأحياء يستمدون حياتهم من أرواح الشهداء.

هؤلاء الشهداء، هم الدم الملتهب، الذي يسري في عروق الأمة، ويروي الصحراء العربية، من المحيط إلى الخليج، فلا زالت فلسطين تطلق أقمارها، لتكتب بدماء أبنائها، على جدران الشوارع والحارات، كلمات الثورة والعز والفخار، وتشع نوراً من دماء الأحرار.

للمرة الأولى، يستأذن الشاب اليافع، سبأ عبيد (20) عاماً، والدته للخروج إلى التظاهرات المساندة لإضراب الأسرى عن الطعام في سجون الإحتلال، لكنها كانت الأخيرة، فهو اعتاد على الإنضمام لأي مسيرة، والإنخراط بأي مواجهة مع الإحتلال، دون استئذان.

“في الأيام الأخيرة، إعتاد سبأ على الإعتصام في خيم التضامن مع الأسرى، وما أن يتوجه المعتصمون إلى مناطق الإشتباك مع قوات الإحتلال، حتى يكون في المقدمة”، قالت والدته المكلومة، لافتة إلى أن إضراب الأسرى كان شغله الشاغل منذ السابع عشر من نيسان الماضي، وهو اليوم الذي بدأ فيه إضراب الحركة الأسيرة.

أضافت بصوت يقطعه النحيب: “كنت أنتظر عودته مساء كل يوم، لكن إنتظاري له أمس كان قاسياً، ولم أكن أتخيل أنه سيعود محمولاً على أكتاف أصدقائه، رغم أنه كان طالباً للشهادة، ودائماً كان يقول لي، ماذا ستفعلين يا أمي، لو جاءكِ خبر استشهادي”؟.

ولم تجد والدته، بدّاً، من توزيع الحلوى، بدلاً من القهوة السادة، إبتهاجاً بنيل إبنها ما أراد، فكم كان سبأ يتمنى الشهادة، وكم كان حريصاً عليها، ودليل على ذلك، أنه زحف بالأمس، خصيصاً إلى مسرح الأحداث في قرية النبي صالح، الواقعة بمحافظة أخرى “شمال غرب رام الله”، وبعيدة نسبياً عن مدينته، لعله يحصل على مبتغاه!!.

ولعل القناص الإسرائيلي، الذي اتخذ موقعه على مدخل قرية النبي صالح، مُوقّعاً على القتل، لم يعرف ماذا تعني رصاصته التي اخترقت قلب الشهيد سبأ، من عودة مفجعة لأسرته،  وكم هو كبير الألم الذي خلفته تلك الرصاصة، وفاضت به منازل مدينة سلفيت، شمال الضفة الغربية، مسقط رأس الشهيد، وكم كان حجم الفاجعة، في قلوب من أدمنوا التواجد في خيم الإعتصام المتضامنة مع الأسرى، التي ستفتقد سبأ، وحتى الأسرى أنفسهم، الذين كان يتضامن معهم، وقدّم أغلى ما يملك، نصرة لقضيتهم، سيفقتدوا وقفته معهم.

محمـد عبيد، قريب الشهيد، أوضح أن سبأ كان يتوجه كل يوم جمعة، إلى قرية النبي صالح، التي تشهد مواجهات أسبوعية معتادة منذ سنوات، نظراً لعدم وجود نقاط اشتباك دائمة مع قوات الإحتلال في محيط مدينته، ويستذكر عبيد، اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاد سبأ، فيقول: “شاهدت أحد القناصة، يرقب تحركات سبأ، الذي كان ملفتاً للنظر، بقيادته للمواجهات، وطلبت منه أن يأخذ ساتراً خلال رشقه الحجارة على جنود الإحتلال، لكن رصاصة القناص كانت أسرع من كلماتي، فأصابت سبأ في قلبه مباشرة، ليرتقي شهيداً”.

الألم الذي خلّفه استشهاد سبأ، يقاس بمدى تأثر أمهات الأسرى في خيم الإعتصام، ليس في مدينة سلفيت وحدها، وإنما في نابلس ورام الله، وغيرها من المدن الفلسطينية، فهو كان يحرص على زيارتها دون استثناء، وأصبح معروفاً لدى المعتصمين الدائمين، وكم كان الحمل ثقيلاً عليهم، عندما توجهوا لأماكنهم في خيم الإعتصام، بينما مقعده ظل شاغراً، وينغرس وجعاً، وغصّة في قلوبهم.

هؤلاء لم يجدوا ما يعزّون به أنفسهم، غير رفع صور الشهيد سبأ، التي زيّنت خيم التضامن ، والتصقت بصور الأسرى، الذين كان يحلم بحريتهم، فيما القناص الذي عاش بالأمس “ربيع مهنته” لا يرى في قتل سبأ وأمثاله، سوى رقماً حسابياً، سيزداد كلما انفتحت شهيته للقتل.

خيم التضامن مع الأسرى، ستفتقد سبأ اليوم، وسيكون لها حكاية، تعنونها روح سبأ التي ستظل تحوم في المكان، لتصبح آلة القتل الإسرائيلية، مجرد هامش مفضوح.. فماذا ستقول عيون من اعتادوا على حضوره اليومي؟.. كأنها تقول: “ليس من السهل إقناع الدم بوقف ثورته على الفولاذ، إلى أن ينعتق منه، فهذا عشب فلسطين، الذي يشُق الإسفلت، لتنبت عليه أزهار الحرية، المرتوية بدماء الشهداء، وإن مرّت عليه دبابات الإحتلال، وجيباته العسكرية!!.

نقلاً عن “البيان” الإماراتية.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *