الشهيد الطفل مراد أبو غازي أعدّ “كيس الطحين” ليُوزَّع عن روحه ورحل

الخليل – كتب محمـد الرنتيسي:

في منزل عائلة الشهيد مراد أبو غازي في مخيم العروب قرب الخليل، قصة حزينة ومعاناة مترامية الأطراف، أبطالها أبناء عائلة الشهيد الطفل مراد أبو غازي، الذين كانوا في استقبالنا، لدى توجهنا إلى بيت العائلة، لإعداد تقرير صحفي، وتقديم واجب العزاء.. فقدموا لنا واجب “الغداء”.. وأقسموا أن لا يتكلموا بحرف واحد قبل أن نتناول غداءنا.. على شرف الشهادة والشهداء.

عائلة تنبض وطنية.. وتقطر صبراً وشموخاً رغم الألم.. قابلونا بكل عزيمة وثبات، ليؤكدوا بأنهم الأجمل في كل شيء.. حتى في لحظات تقبلهم العزاء بأبنائهم.

يلعب مع الطيور:

أين مراد؟.. ومتى سيعود؟.. ماذا فعل ليقتلوه؟.. أسئلة متكررة يطلقها ببراءة، صغار عائلة الشهيد الطفل مراد أبو غازي، في وجه أمه، التي تستقبلها كسهام مصوّبة إلى قلبها المكلوم، فتحاول أن تتحامل على جراحها، لتقنعهم وترضيهم بالإجابة: “إنه انتقل ليعيش في الجنة، ويلعب مع الطيور”.

الأم المؤمنة، التي استجابت لقضاء الله وقدره، توضح أن مراد البالغ من العمر (16) عاماً، لم يكن مختلفاً عن أبناء جيله، طفل من أسرة بسيطة، يلعب ويلهو، ويحلم، يشخص ببصره إلى الأفق أحياناً، علّه يجد تفسيراً وتبريراً للطفولة المقيدة في زقاق المخيم!!.

في وسط مخيم العروب، قرب الخليل، تقطن عائلة الشهيد الطفل مراد أبو غازي، المكونة من والديه و(6) أفراد، إثنان منهم متزوجان، ويعيشوا جميعاً في بيت متواضع، لا يخلو من ملامح البؤس والحرمان، كباقي بيوت المخيمات الفلسطينية، هنالك تجمّع الأهل والأصدقاء وأهالي المخيم، مؤكدين أن مراد نال ما يتمناه كل إنسان فلسطيني، بالشهادة، والمصير المحتوم لعائلة تلاحقها قوات الإحتلال منذ سنوات، فمراد لم يمر على خروجه من السجن، سوى شهرين فقط، فيما إخوانه الستة، لم يسلموا من الإعتقال، والملاحقة، والتشريد، بعد أن هدم الإحتلال منازلهم، دون أن يلتفت إليهم أحد!!.

كان مراد محبوباً من الجميع، وروحه المرحة لا تفارق محياه، والإبتسامة دائماً تشرق على وجهه، ولهذا فقد أحبه كل أبناء المخيم، وظهر ذلك من خلال اللافتات والشعارات التي ازدحم بها بيت العزاء، والجدران المحيطة بمنزل الشهيد، وتضمنت عبارات من قبيل: “كلنا فداء للقدس”، “مراد نم قرير العين في جنات الخلد”.. “إننا على الدرب سائرون”.. وما إلى ذلك من الشعارات، التي حملت توقيع مختلف القوى الفلسطينية.

قالت والدة الطفل، والألم يخفي معالم وجهها، قبل منديلها الأسود: “كما هي عادة القدر، أن ينتقي ويصطفي إلى جواره الأعزاء والأنقياء، فقد إصطفى الله سبحانه وتعالى، مراد، ليكون شهيداً، من بين أبنائي الستة، إنه أعزهم على الإطلاق، يحبني كثيراً، ويذكرني دوماً في جميع المناسبات، ويراعي شعوري”، ولا زلنا في غمرة الفرح بخروجه من السجن”.

أضافت الوالدة والدموع تكاد تفيض من عينيها: “رحل مراد، وبقي خمسة من إخوانه، والحمد لله أن عندي غيره”، وتساءلت: “ماذا فعلت والدة الشهيد محمـد حطاب، وحيد والديه، الذي ارتقى في مخيم الجلزون”!!.. الله الله على هذه المعنويات العالية، وعلى هذا الصبر الجميل.. كأن كلماتها هذه جاءت للتأكيد على أن الهم الفلسطيني واحد، وأنه كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء!!.

والدة مراد، أوضحت أنه ذات يوم، فاجأها بسؤال قبل سنوات: “ما هو مصير من يموت أثناء المواجهات مع قوات الإحتلال، هل صحيح ما يقال أنه يموت شهيداً ويدخل الجنة”؟.. فلم تجبه خوفاً من أن تدفعه الشجاعة التي كان يمتاز بها، وحبه للشهادة، إلى الذهاب إلى مواقع المواجهات على مدخل المخيم المستعر دوماً، إلا أن الله منحه ما أراد، لأنه كان صادقاً فيما يتمنى، لكن على الرغم من ذلك، هو لم يفعل لهم شيء، ولم يكن ينوي تنفيذ عملية، أو إلقاء زجاجات حارقة كما يدّعون.

عمّة مراد، التي بدت متأثرة هي الأخرى برحيله، قالت إن مراد أخبرها مراراً، أنه يتمنى الشهادة، فنال ما أراد، “إنه طير بريء، وأتمنى أن يكون شفيعاً لنا يوم القيامة، لم تقترف يداه أي ذنب، ولم يلوث قلبه بشوائب وذنوب الدنيا.. الشهادة تليق بمراد وأمثاله، فهو يستحقها، وهكذا هم الشهداء، دائماً لهم محبة مغروسة في قلوب كل من عرفهم.

أضافت بنبرة غاضبة: “هذه العائلة مستهدفة، فقد هدم الاحتلال منزلين لها ولم يلتفت إليها أحد من المسؤولين، ولم يزرها أحد، ولم يسمع عن همومها أحد، المداهمات لا تتوقف لهذا المنزل، إخوة مراد جميعهم تعرضوا للاعتقال والتنكيل والتعذيب، ومراد لاحقوه فترة طويلة قبل أن يقتلوه أخيراً بدم بارد”.

إنه في الجنة:

في بيت عزاء الشهيد أبو غازي، تجمّع أطفال الحي، بعضهم لا زال يسأل عنه، وآخرون يريدون اللحاق به، فهذا الطفل إبراهيم البرغوثي، إبن شقيقة الشهيد، المتزوجة في قرية عابود غرب رام الله، يقول: “أتمنى أن أكون معه في الجنة، وعندما أكبر أريد أن أستشهد مثل مراد”!!.

بينما شقيقته الطفلة رتال، قالت إنها كانت “تتشاجر” معه، لكنها تحبه كثيراً، وعندما سألناها لماذا تقولين عنه بطل؟.. قالت بثقة واعتزاز: “لأنه قتلوه اليهود، واليهود بيقتلوا الفلسطينيين علشان “القدس”.. والقدس ليست لهم، هي لنا وعاصمة فلسطين”.

يحبونه أكثر من البحر:

أما الطفل محمـد أبو غازي، فيبدو من حديثه أن كلام أهالي المخيم عن مراد، أخذ موقعه من قناعاته الشخصية، وفكره البسيط، ويقول: “اليهود قتلوا مراد، لكنه لم يمت، فهو يعيش في الجنة، ويلعب مع الطيور، أنا كنت أحبه كثيراً، لأنه شجاع، وخلوق.. أنا بحبه أكثر من البحر، وبس أكبر بدي أروح عنده”!!.

ولا يختلف الحال عند صديقه عيسى أبو غازي، الذي أخبرنا بأن علاقته مع مراد كانت حميمية، لكونه من أبناء جيله، وقال: “أستذكره في كل ليلة، عندما نسهر على أسطح منازلنا المتجاورة، ونتسامر حتى الصباح، وعندما كنت أغيب أحياناً، كان يرمى على سطح المنزل بعض الحصى، كي يخبرني بأنه موجود”.

ويؤكد عيسى، أن صديقه كان ينوي إكمال دراسته بالتعليم المهني، كي يلتحق سريعاً بسوق العمل، ويساعد عائلته في تدبير أمورها المعيشية، كما أخبره.

وتستذكر آيات أبو غازي، زوجة شقيق مراد، وإبنة عمه، لحظاتها الأخيرة مع مراد، الذي طلب منها شيئاً حلواً، فأحضرت له ما تيسر من “البسكويت” وفيما يبدو أنها أدركت مسبقاً، أنها المرة الأخيرة التي سترى فيها مراد، وأن هذا هو طلبه الأخير منها!!. أضافت آيات: “كان مراد معروفاً بروحه المرحة، وأجمل ما فيه إبتسامته التي لم تفارقه للحظة، كان يعاملني مثل أخواته تماماً، ولم يكن يفرق بيننا”.

أما عمه عبد القادر أبو غازي، فعقّب على استشهاد إبن أخيه قائلاً: “يبدو أن مراد وعى بأنه لم يعمر طويلاً على هذه الأرض، فكان يتصرف وكأنه في عمر يفوق ما هو عليه، ويتكلم بما هو مستبعد أن يصدر من أمثاله، كان مندفعاً للعمل الوطني والنضالي، فاعتقل اكثر من مرة في سجون الاحتلال رغم صغر سنه، ولاحقته قوات الإحتلال، وداهمت منزله عدة مرات بحجة البحث عنه، وأخيراً نال الشهادة، ويبدو أن قوات الاحتلال استهدفته، عندما لاحت لها الفرصة لتصفيته، لمجرد اقترابه من البرج العسكري، المقام على مدخل المخيم.

وأضاف: “زارنا وفد من جمعية “مساءلة” العنف ضد الأطفال، وقمنا بتوكيلهم للمباشرة برفع قضية، لكشف حقيقة تصفية مراد، ومعرفة الجندي قاتله، ومحاكمته”.

إحدى جاراته في المخيم، كانت شاهدة على الموقف الأخير لمراد مع أبناء مخيمه، الذين لم يتأخر يوماً عن تقديم المساعدة لهم، دون مقابل، وقالت: “كان يتصرف كما الرجال، يهب لمساعدة كل من يطلب منه ذلك، وفي يوم استشهاده، طلبت منه أن يشتري لي كيساً من الطحين، فلبى لي طلبي، لكن خبر استشهاده جاءنا بعد دقائق، فقررت على الفور، أن أوزع كيس الطحين على روحه الطاهرة”.

 كل هذه الأحاديث جرت في منزل عائلة الشهيد مراد، دون أن نسمع صوتاً لوالده، المصدوم والمكلوم، وقبل أن نودع العائلة، في طريق عودتنا إلى رام الله، أدخلنا والد الشهيد إلى غرف منزله، لم نرى فيها إلا ما تيسر من أثاث، وبعض الفراش المتواضع، و”بوسترات” للشهيد، وأعلام فلسطينية وأخرى أردنية، وصوراً للرئيس أبو مازن، ومثلها لجلالة الملك عبد الله الثاني، في رسالة مناشدة كما يبدو، إلى الزعيمين، للإلتفات لهذه العائلة، التي ينهشها الفقر من جهة، وممارسات قوات الإحتلال القمعية من جهة أخرى، غداة القمة العربية التي كانت دائرة في عمّان.

ودّعنا المخيم عبر الطرق المتعرجة والضيقة، وكانت قوات الإحتلال ترابط على مداخله، فيما صور الشهيد مراد، وشعارات النعي على الجدران، كانت تودعنا، وكأنها تقول لنا بأن مراد هو إبن الجميع، حتى لو لم يكن ينتمي لفصيل أو تيار معين.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *