يوم الأسير ينكأ جراح الفلسطينيين

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

يحيي الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم، في السابع عشر من نيسان كل عام، ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، في تقليد سنوي، يعود إلى تاريخ: (17/4/1974)، وهو اليوم الذي شهد اطلاق سراح أول أسير فلسطيني، “محمود بكر حجازي”، في أول عملية لتبادل الأسرى، بين الفلسطينيين والإحتلال الإسرائيلي.

وتحتل قضية الأٍسرى مكانة كبيرة في الشارع الفلسطيني، إذ تُعتبر من القضايا الأكثر حساسية عند الشعب الفلسطيني برمته، خاصة وأن أكثر من ثلثي الفلسطينيين، تعرضوا للإعتقال في سجون الإحتلال منذ بدايته، بينما فاق عدد المعتقلين منذ العام (1948) المليون فلسطيني، ولعل الجديد الذي تحمله ذكرى يوم الأسير هذا العام، أن أصبح بين المعتقلين مزيد من “الأسرى الشهداء”!!

ومع تصاعد وتيرة عذابات الأسرى في سجون الاحتلال، ودخول الحركة الأسيرة منعطفاً خطيراً، لا سيّما في ظل تكثيف الإجراءات القمعية ضد الأسرى، وسياسة الإهمال الطبي المتعمّد بحقهم، تبرز عذابات وأوجاع عائلاتهم، جنباً الى جنب.

شهادات حية، تختصر المسافات، وتحاول خلالها “القدس” وصف جزء يسير من عذابات زوجات الأسرى، وآلامهمن، وتضحياتهن، غير أن صوتهن ما زال أعلى من صوت السجان والجلاد، اذ ما زال يردد حتى اللحظة: “منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي.. وأنا أمشي..”.

وتحل ذكرى يوم الأسير الفلسطيني هذا العام، في وقت يكثر فيه الحديث “فلسطينياً”عن صفقة جديدة لتبادل الأسرى، بعد إعلان كتائب القسام التابعة لحركة حماس في قطاع غزة، عن أربعة جنود أسرى لديها، منذ الحرب الأخيرة على القطاع، بينما تستعر حملات الإعتقال الإسرائيلية اليومية، منذ إندلاع الهبّة الجماهيرية قبل أكثر من ستة أشهر.

الأولوية للأحكام المؤبدة:

أهالي الأسرى، الذين غيبت السجون أبناءهم وفلذات أكبادهم بعيداً خلف القضبان، يستقبلون “يوم الأسير” كل عام، ويحدوهم الأمل بأن تكون آخر ذكرى يُحتفل بها قبل الإفراج عن أبنائهم، فتحل عليهم الذكرى بقلق، نتيجة تعطيل صفقة الدفعة الثانية لتبادل الأسرى بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وحتى إن تمت، فقد اعتاد الفلسطينيون خلال الصفقات الماضية على مشهد واحد، يتمثل بالإفراج عن عدد قليل من الأسرى مقارنة مع أعدادهم الهائلة في سجون الاحتلال، والتي تزداد يوماً بعد يوم، إضافة الى أن هذه الإفراجات عادةً ما تشمل عدد كبير من أصحاب الأحكام القصيرة والذين شارفت مدة أحكامهم على الإنتهاء، وبعض المرضى من الأسرى وأصحاب الحالات الإنسانية، غير أنها “تُطعّم” بعدد قليل من أصحاب الأحكام العالية، للفت أنظار الرأي العام العالمي، وإعطاء صورة مغايرة تماماً للرواية الفلسطينية.

ويرى أهالي الأسرى، كحال المواطن أحمد الشيخ صالح، الذي يقضي نجله “عماد” عقوبة بالسجن (25) عاماً، أن أي صفقة تبادل، لا تشمل الإفراج عن ذوي الأحكام العالية والمؤبدة، تبقى منقوصة، فالأولوية، لمن قضوا أكثر من نصف أعمارهم في سجون الإحتلال”.

الإنتظار المؤبد:

“جميلة”، إمرأة فلسطينية، تنتظر لم الشمل مع زوجها الأسير منذ أكثر من عشرين عاماً، وهي واحدة من آلاف الفلسطينيات، اللواتي تتشابه حكاياتهن في أحداثها، وتتقارب في نهايتها، ربما لأن بطلاتها يتناسخن في كل حكاية، فجميعهن تجرّعن من ذات الكأس، فهذه أسماء حامد، التي لم تكتمل فرحتها بعقد قرانها، فقد اعتقل “خطيبها” بعد أيام، وعندما استقر به المقام في أحد السجون، زارته في سجنه، فكان أن خلع خاتم الخطوبة وقدمه إليها، متمنياً لها حياة سعيدة، بدلاً من المستقبل الغامض والمجهول، فما كان إلا أن طرحت عرضه جانباً، وظلت متمسكة بخاتمها لأكثر من عشر سنوات، قبل أن تنقله إلى يدها اليسرى، وما كانت لتيأس، لو بقي في يدها اليمنى زمناً أطول.

“سحر” زوجة الأسير مراد البرغوثي، من قرية كوبر بمحافظة رام الله، لم تهنأ بزواجها من مراد، سوى بضعة أيام، تلاها تسع سنوات أمضاها حتى الآن في سجون الاحتلال، حيث يقضي حكماً بالسجن المؤبد، لتعيش هي وعشرات أخريات ممن كن أقل حظاً من غيرهن، مع الإنتظار المؤبد، وبعضهن يرعى انتظارها أطفال صغار.

أما زوجة الأسير عماد ربايعة من بلدة ميثلون بمحافظة جنين، فأوضحت أن الانتظار ليس قراراً سهلاً، بل يعني تحمل المسؤولية كاملة، موضحة أنها كانت تتوقع أن يقضي زوجها سنوات طويلة في السجن، لكن لم يخطر ببالها أن ينال حُكماً مؤبداً، وقالت: “لم أكن أتوقع أن يُحكم عليه بأكثر من عشر سنوات، ومع ذلك فقد حكم عليه بالسجن المؤبد، فحُكم عليّ أنا أيضاً بالإنتظار المؤبد، لأني لم أفكر للحظة بغير الإنتظار، ووجهت كل اهتمامي لتربية أبنائي الصغار”.

 وأضافت: “رفضت الإنتظار في بيت أهلي، وقررت أن يكون ذلك في بيت زوجي، كي ينعم أطفالي بتربية سليمة برعاية الجد والجدة والأعمام، ولم يغب عماد عن بالي لحظة واحدة، فأنا أفتقده في كل موقف، وخصوصاً في المناسبات الإجتماعية للعائلة، ويوم يأتي أبنائي بشهاداتهم مع نهاية كل عام دراسي”.

 

 

 

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *