إسرائيل تفقد توازنها النفسي والأخلاقي

بقلم آري شبيط (عن هآرتس):

مكان عملي الاول كان في مركز للمعلومات في منتصف الثمانينيات، حيث كنت مساعداً في الأبحاث لـ ميرون بنفنستي، الذي تابع العملية السريعة التي غيرت فيها “غوش ايمونيم” وحكومة “الليكود” حدود اسرائيل، حيث كنت أنا وصديقي نتابع اقامة المزيد والمزيد والمزيد من المستوطنات.

كان خوفنا جميعا أنه في يوم من الايام ستتحقق نبوءة ميرون وهي تحول الاحتلال الى أمر لا رجعة عنه، وتختفي دولة اسرائيل السيادية داخل “ارض اسرائيل ثنائية القومية” التي تشبه ايرلندا الشمالية وجنوب افريقيا أو البلقان. اذا وصل عدد المستوطنين الى 50 ألفا كما قلنا، فان الصهيونية ستعيش في ضائقة. واذا وصل عددهم الى 100 ألف فسنضيع وسيضيع انجاز 1948 (تحويل الصراع العربي- الاسرائيلي الى صراع سياسي مراقب ومحدود) ويعود الواقع الصعب من الثلاثينيات (صراع بين الجماهير لا يعرف الحدود وبدون أي فائدة). اذا حدث هذا كما حذرنا فان الحياة في البلاد ستكون كابوسا.

منذ ذلك الحين تم حل الصراع في ايرلندا الشمالية، وتفكك جنوب افريقيا، وعاش البلقان حالة حرب وسلام. لكن عدد المستوطنين في “يهودا” و”السامرة” تزايد باستمرار الى أن أصبح 400 ألف مستوطن. ومشروع “غوش ايمونيم” تغلب على دولة اسرائيل، وشكل واقعا ثنائي القومية، لشعب يعيش داخل شعب آخر، وشعب يعيش فوق شعب بدلا من شعب يعيش الى جانب شعب.

الانتصار التاريخي الكبير لدافيد بن غوريون تحول الى سقوط متواصل لجميع رؤساء حكومات اسرائيل في الجيل الأخير. وبعد أن استطعنا تأسيس دولة يهودية ديمقراطية صغيرة محصنة وواضحة، قمنا بالغائها بأيدينا وحولناها الى سجن للحريات واحتلال.

الكارثة التي نعيش فيها الآن لا يجب نسبتها الى اصحاب السكاكين الأصوليين أو إلى بهيمية اصحاب الفتك الخائفين. الجنون الانساني الذي نعيشه هو نتيجة مباشرة ولا يمكن منعها للجنون السياسي الذي يمتد منذ اربعين سنة. ماذا اعتقدنا عندما ذهبنا الى يتسهار وايتمار ولعنة هار براخا؟ ما الذي توقعنا حدوثه عندما مسحنا حدودنا وشوشنا سيادتنا وخلقنا واقعاً من الحرب الاهلية المتواصلة؟.

كان العنوان مكتوباً بأحرف كبيرة على الحائط: في ظل غياب الحدود الفاصلة سيدخل الإسرائيليون والفلسطينيون الى حمام دماء. إذا لم يتم نبذ اسرائيل مثل جنوب افريقيا فسيحدث مثلما حدث في كوسوفو، حيث كانت يد الشخص بيد أخيه وبيد جاره وبيد شاب آخر.

الأمر الذي نتعلمه في الوقت الحالي من عمليات الطعن والدهس واطلاق النار هو أن الواقع الذي أوجدناه هنا لا يمكن أن يتواصل. الكابوس الذي تنبأ به بنفنستي آخذ في التحقق.
صحيح أن الانسحابات قد تسبب في هجمات عنيفة. وتقسيم البلاد ايضا سيكون مؤلما ودمويا. لكن اسرائيل تستطيع مواجهة الاخطار الخارجية. أما الهجمات الداخلية فهي تمزقها وتحولها الى دولة فاقدة للتوازن النفسي والاخلاقي.

حتى لو تراجعت الموجة الحالية فان المرحلة الظلامية القادمة ليست بعيدة، لا يمكن معرفة متى، أين وكيف ستضربنا الكارثة، لكن الكارثة لا يمكن منعها. بعد أن دمر الصهاينة الصهيونية وبعد أن زعزع القوميون المتطرفون الدولة القومية أصبحنا قريبين جدا من نقطة اللاعودة.
السؤال الوحيد الذي يمكن سؤاله الآن هو هل نفهم ما يحدث قبل ذلك أو بعد ذلك؟ هل سنصحوا حيث ما زال يمكن اطفاء الحريق أم عندما يلتهم الحريق كل البيت؟.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *