القمة العربية وطوفان والمتغيرات الدولية

بقلم: حسن مليحات / كاتب وباحث سياسي                                                                                        

القمة العربية الثامنة والعشرون والتي تحتضنها العاصمة الأردنية عمان والتي ستعقد خلال الفترة ما بين 29-31 أذار/مارس الجاري  في منطقة البحر الميت وعلى الضفاف الغربية لامتداد العاصمة الأردنية عمان يستقر البحر الميت الذي يشكل ظاهرة طبيعية نادرة ، أذ يتفرد بكونه النقطة الأكثر انخفاضا على مستوى سطح البحر في العالم ويتميز بشدة ملوحته ، وقبالة القدس وعلى بعد دقائق من البحر الميت والى الشرق من نهر الأردن يقع مغطس السيد المسيح عليه السلام ويظهر جبل نيبو الذي يجاور البحر من جهة الشرق فيطل على فلسطين المقدسة، تنعقد القمة العربية في ظل ظروف صعبة تمر بها المنطقة لكن هذا لا يعني بان القمم السابقة عقدت في ظروف نرجسية ، بل ان منحنى الصعوبة والتعقيد يزداد ارتفاعا كل عام والتحديات تزداد عنادا، والملفات المطروحة للنقاش تزداد تشابكا، كل ذلك في ظل خلافات عربية عربية حول كيفية التعاطي مع هذه الملفات المعقدة.                                                                                                                      

في خضم هذه الأحداث والتطورات تزداد حالة انعدام الثقة لدى الشارع العربي في القمم العربية التي توالى عقدها دون ان تنجح في أحداث أي تغير نوعي في الأوضاع العربية ، بل أن اوساطا شعبية واسعة في العالم العربي لا يعلق أمالا على المؤتمرات والمحافل الدولية خاصة وهي ترى الواقع العربي يتقهقر أمام طوفان المتغيرات الدولية القريبة والبعيدة في حين ظلت الحالة العربية فريسة للتدخلات الخارجية من كل نوع ،هذا العام يعقد مجلس الجامعة الاجتماع الأربعين                

للقمة العربية في منطقة البحر الميت وهي الأقرب لمدينة القدس بين القمم السابقة، الامر الذي سلط أنظار الفلسطنين والعرب اليها ما أذا كانت قراراتها ستحقق جزءا من الأمال والتطلعات حول قضية العرب المركزية(فلسطين)، ومن المتوقع ان يبحث مؤتمر القمة عدة من القضايا منها القضية الفلسطينية ومكافحة الارهاب الذي تعاني منه العديد من الدول العربية بالأضافة الى الملف السوري ومستقبل العراق والتوافق الطائفي ، كما ان ملف المصالحة الفلسطينية وتوحيد الجغرافيا الفلسطينية سيكون حاضرا بقوة في المؤتمر كضرورة لتقوية الموقف الفلسطيني في اية مفاوضات مقبلة مع اسرائيل.                                                                                                                                                                  

أزاء هذه الحالة السياسية والأمنية الصاخبة فلا بد من القول بأن قمة عمان تعقد في ظل تحديات مركبة ومعقدة فهي تعقد في أعقاب فشل قمة نواكشوط في حل أي من الملفات العربية ، وبالتالي يحال هذا الفشل وهذه الملفات الى قمة عمان، ويأتي انعقادها في اعقاب وصول ترامب لسدة الرئاسة الامريكية واعلانه عن تحالف أسرائيلي لا يخترق ومطالبة الدول العربية بالسلام الأقليمي مع أسرائيل ، وايضا في ظل تحولات في النظام الدولي وبنية القوة الدولية والاقليمية وبروز دور روسيا القيصرية الطامحة لاعادة دورها الأقليمي من خلال الأنغماس المباشر في المنطقة  كالملف السوري واليمني والليبي  ،وبروز الدور الايراني وتغلغله في المنطقة وهي تبحث عن تحقيق حلمها القومي في الوصول الى سواحل البحر المتوسط ، والدور التركي الباحث عن أمجاد الامبراطوية العثمانية الغابرة، كل ذلك على حساب الدور العربي الغائب المغيب الذي يدب الخلاف بين دوله الرئيسيه وخصوصا العلاقات المصرية السعودية الضرورية لاستعادة النظام العربي عافيته،وهنا تثور تساؤلات:- ما هي الأمال المعلقة على القمة العربية ؟ وما هي تأثيراتها على القضية الفلسطينية؟                           

لا بد من القول بان القمة العربية تأتي في ظل تحديات اكثر جسامة وخطورة تواجه الدول العربية ، فمعظم جيوش الدول العربية منشغلة في حروبها الداخلية ومستهدفة ، وكذلك هناك تحديات اقتصادية تعصف بمقدرات الدول العربية في ظل تراجع اسعار النفط وتحديات تطال مستقبل بعض انظمة الحكم العربي ، الامر الذي بدفع بها نحو تغليب مصالحها الخاصة على أي عمل عربي مشترك ، كل هذه التحديات تفرض عقد قمة عربية لها حضورها الاقليمي والدولي وهنا يقع الدور على عاتق الاردن وقيادته التي يمكن ان تقوم بدور توافي بين العديد من الدول العربية وتحقق اختراقا في العديد من الملفات واهمها الملف الفلسطيني ورفض فكرة السلام الاقليمي  دون قيام دولة فلسطينية مستقلة ، وكذلك قضايا مكافحة الارهاب والتطرف ومحاولة استعادة الدور العربي في كل هذه الملفات ،ولكن وعلى الرغم من الزخم الذي يضيفه أستضافة الاردن للقمة العربية ودورها الدبلوماس والاقليمي ، الا ان الصورة تبدو قاتمة حقا ولا توحي باكثر من التشاؤم تجاه الجهود والقرارات التي يمكن ان تنتج عن القمة العربية وذلك لضعف البنية التحتية الاساسية الداعمة لتنفيذ القرارات .                                                                                                                                                                                                                                   

ان المنطقة مليئة بالتطورات والتحولات والمشاريع فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وهي قضية العرب المركزية التي تفرض نفسها بقوة على أجندة القمة العربية وكل القمم السابقة ، ولكن هذه المرة تتعرض لانقسامات وخلافات  لا بد من موقف عربي حاسم منها ومن استيطان وتهويد اسرائيلي ليدفن معه كل امكانية لما تبقى من حل الدولتين المزعوم خاصة في ظل الحديث عن موضوع السلام الاقليمي بين اسرائيل والدول العربية التي تبحث الكثير منها عن علاقات مع اسرائيل واستبدلت قاعدة التطبيع مقابل السلام بقاعدة جديدة اخرى وهي التطبيع مقابل التطبيع ،لقد ظلت القضية الفلسطينية لعقود تحتل راس جدول اعمال اية قمة عربية ، لكنها بدأت بالهبوط في الاعوام الاخيرة وخلت مكانها لصالح ملفات عربية اخرى ، ولعل قمة بيروت العربية التي تمخضت عنها المبادرة العربية للسلام ما زالت ماثلة للاذهان حين قامت اسرائيل باجتياح الضفة الغربية بعد مرور ساعات من اختتام اعمال القمة .                                                                                                                    

لا ريب في ان قمة عمان جاءت في ذروة تطورات دولية ليست في مصلحة القضية الفلسطينية خصوصا بعد وصول ترامب للرئاسة الامريكية واعلانه بانه سينقل السفارة الامريكية من اتل ابيب الى القدس كما انه نعى حل الدولتين ، وقد جاءت ايضا قبيل اسابيع من انعقاد قمة السلام في ظل وجود اكثر من تصور لاجندة هذه القمة ، ابرزها الرؤية الامريكية التي تنادي بضرورة انطلاق مفاوضات السلام دون اشتراطات مسبقة ورغبة واشنطن في ايجاد غطاء عربي لهذه المفاوضات بما قد يؤدي لاحقا الى تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية    .                                                                   

ازاء تلك الاحداث لا بد من القول بان المتغير المهم الذي تشبثت به اسرائيل هو اندفاع بعض الانظمة العربية نحو التطبيع معها ، الامر الذي جعلها تتصرف من موقع الرغبة في تذليل العقبات التي يمكن ان يواجهها معسكر التطبيع العربي ، وان تعامل الكيان الصهيوني مع مبادرة السلام العربية بعدم جدية ومحاولة الاستفادة من دلالاتها في تصعيد مطالبه السياسية لا يعود فقط الى ما تتمير به اسرائيل من غرور وصلف وانما يعود ذلك في جانب منه الى عدم جدية اصحاب المبادرة وغياب الحزم والاصرار في التمسك بما طرحوه ، فقد طرحب المبادرة العربية للسلام وسط اجواء من الخلافات المعلنة وغير المعلنة ، واتخذت مسارا انحداريا في زمن قياسي يكشف عن عدم الجدية في التمسك بها ، وهذا يتجلى في انها طرحت في ظل مغادرة بعض الانظمة أرضية الاستقلال الى التبعية الكاملة لامريكا وسعيها الدؤوب لارضائها من اجل البقاء على وضعيتها القائمة، لأنها اقتنعت بأن الدخول الى فردوس البيت الابيض يمر عبر تقديم قرابين التطبيع على عتبة الكنيست الأسرائيلي .                                                                                                             

 ان القضايا الملحة في الشرق الاوسط والتي تؤرق مضجعه هي القضية الفلسطينية والازمة السورية ومكافحة خطر التطرف والارهاب أزاء انحدار الامن في المنطقة بشكل متسارع، الامر الذي يفرض وجوب ايجاد حلول عاجلة لها ضمن أطار عربي واحد وداعم لهذه الحلول وهو ما يمكن من خلاله قياس مدى نجاح القمة العربية من عدمه .                      

 ان توقيت انعقاد القمة العربية في عمان جاء على قدر كبير من الاهمية رغم الاوجاع المستبدة بالجسد العربي ، وتبقي الأمال معلقة في أن تشكل القمة العربية فرصة لأعادة تعزيز العمل العربي المشترك وأيجاد مقاربات سياسية للقضايا الشائكة وحلها ضمن اطار البيت العربي بعيدا عن اية تدخلات خارجية ، وهنا تقع المسؤولية على عاتق الاردن الذي فتح ذراعيه رسميا وشعبيا لجميع العرب  وهو يمثل صوت العقل والاعتدال في مواقفه ونظرته المتوازية ازاء جميع المتغيرات والاحداث ، أضافة الى امتلاكه خبرات سابقة في التعامل مع الملفات العربية وهو يدفع بقوة لأنجاح القمة العربية عبر بلورة قاعدة انطلاقة عربية ويدفع بحلول للملفات العربية المتفجرة واعادة رمزية ومركزية القضية الفلسطينية على الاجندة القومية   .                                                                                                                                              

                         

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *