اليوم الذكرى الـ(13).. الشيخ أحمد ياسين ترجّل عن “عربته” بعد مسيرة حافلة بالتضحيات

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

 لم يكن الشيخ أحمد ياسين يخشى الموت، فهو من عشاق الأرض، لهذا فهو لم يختفِ تحت الأرض حتى يتفادى الإغتيال.. أما القتلة وحكومتهم فهم الذين نزلوا تحت الأرض خوفا من الإنتقام.

 بهذه الكلمات عقب الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي على عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين، أياما قليلة قبل أن يلتحق به شهيداً في عملية اغتيال مشابهة.

 لم تكن عملية معقدة تلك التي أشرف عليها رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك “أرئيل شارون”.. فاغتيال الشيخ أحمد ياسين كان ممكنا في أي لحظة وأمام أي مسجد، وعندما اختار شارون هدفاً كهذا، فقد استهل القتل والإغتيال ورفع وتيرة ممارساته لتنتقل إلى قيادات الصف الأول، وهي سياسة إسرائيلية قديمة قدم الإحتلال الاسرائيلي، الذي يركز على اغتيال القادة، لظنه أن المقاومة ستتراجع في حال اغتيالهم.

 يعد الشيخ أحمد ياسين أحد القادة الفلسطينيين الكبار الذين أثّروا في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بشكل لافت وكبير، وحوّلوا مسار نشاطات الحركة الاسلامية الى نشاطات جهادية، وكان يتمتع بروح القيادة، حريصا على وحدة أبناء شعبه، ولا ينكر نضال أي منهم، ولهذا فان الكل الفلسطيني يجمع بأنه لو بقي أمثال الشيخ ياسين، والرئيس الشهيد أبو عمار، والشهيد القائد أبو علي مصطفى على قيد، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن من الفرقة والانقسام.

 السيرة الذاتية:

 ولد الشيخ أحمد ياسين في قرية الجورة الفلسطينية العام (1936)، وبعد حرب الـ(48) انتقل مع أسرته الى قطاع غزة حيث نشأ فيها، والتحق بحركة الاخوان المسلمين العام (1955)، وفي العام (1960) أصيب بالشلل الرباعي خلال  أدائه لإحدى القفزات الرياضية أثناء التدريبات مع أصدقائه.

 عمل الشيخ مدرسا للغة العربية والتربية الاسلامية، ثم عمل خطيباً ومدرساً في مساجد غزة، وأصبح في ظل الاحتلال أشهر خطيب عرفه قطاع غزة، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة العام 65، إبّان الضربة القاسية التي تعرض لها الاخوان في مصر وقطاع غزة، حيث تم اعتقال افرادها وقيادييها، واختير في العام (68) لقيادة حركة الاخوان المسلمين في فلسطين، فبدأ ببناء جسم الحركة، وأسس الجمعية الإسلامية ثم المجمع الاسلامي، وكان له الدور البارز في تأسيس الجامعة الاسلامية في غزة.

 في العام (1983)، بدأ التفكير بالعمل العسكري، حيث اعتقل بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيم عسكري، وحوكم أمام محكمة عسكرية اسرائيلية أصدرت عليه حكما بالسجن لمدة (13) عاماً، حيث أفرج عنه العام (1985) في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.

 أسس الشيخ، العام (1987) مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة تنظيما إسلاميا تحت إسم “حركة المقاومة الاسلامية” المعروفة اختصاراً باسم “حماس”، خلال الأيام الأولى لإنتفاضة الحجارة، ومنذ ذلك الوقت وحتى استشهاده اعتبر الشيخ الزعيم الروحي لتلك الحركة، كما عرف بأنه “شيخ الإنتفاضة”.

 اعتقل الشيخ أحمد ياسين بتاريخ: (18/5/1989)، مع المئات من أعضاء حركة حماس، وفي: (16/10/1991)، أصدرت احدى المحاكم العسكرية الاسرائيلية حكما بسجنه مدى الحياة، ضافة إلى (15) عاماً أخرى، بتهمة التحريص على خطف جنود إسرائيليين وتأسيس حركة حماس بجناحيها.

 أفرج عنه بتاريخ: (1/10/1997)، بموجب صفقة أردنية اسرائيلية في اعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان، وتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في أيلول من العام (2003).

 واستشهد أحمد ياسين فجر الإثنين: (22/3/2004)، لدى عودته من صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي، بعد استهدافه بعدد من الصواريخ الإسرائيلية التي أطلقتها مروحيات عسكرية.

 تفاعلات الحدث:

أفاقت فلسطين صبيحة الثاني والعشرين من آذار على خبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين، ما أفقد الفلسطينيون صوابهم.. طائرات حربية عسكرية تقصف شيخاً عجوزاً مشلولاً بالصواريخ.. لتبدأ مرحلة فاصلة بين شروط الإنسحاب الإسرائيلي من غزة وشروط الهدنة الفلسطينية التي قال الشيخ في آخر تصريحاته أنها ستكون وفق شروط الإنسحاب، “عمقه وشموله”.

فور انتشار الخبر عم الغضب كافة الأراضي الفلسطينية وخرج مئات الآلاف من المواطنين وعدد من الشخصيات البارزة في حركة حماس يتقدمهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في تظاهرات حاشدة، في معظم أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية، مرددين الهتافات الوطنية الداعية الى الانتقام والرد على عملية اغتيال الشيخ ياسين، وصدحت كافة المساجد في فلسطين بآيات من القرآن الكريم، فيما عم الاضراب الشامل كافة نواحي الحياة الفلسطينية.

وأعلنت سلطات الاحتلال حالى التأهب والاستنفار القصوى في صفوف قواتها وفرضت حصارا عسكريا على الضفة والقطاع ونشرت المزيد من الجنود وقوات الشرطة ومن يسمون حرس الحدود على مختلف الحواجز العسكرية والمداخل المؤدية للمدن والقرى والبلدات الفلسطينية خشية وقوع عمليات انتقامية.

واستشهد (7) مواطنين وأصيب أكثر من (300) آخرين بجراح، خلال المواجهات الدامية مع جنود الاحتلال في مختلف المناطق والتي أعقبت مسيرات غاضبة نظمها المواطنون عقب الاعلان عن الجريمة، بينما توالت عمليات إطلاق النار والصواريخ على الأهداف الاسرائيلية فيما اعتبرته فصائل المقاومة عمليات “رد فعل أولي” على الجريمة.

واشنطن تنفي علمها.. وإسرائيل تؤكد: 

بعد ساعات من العملية، أعلنت مصادر استخباراتية اسرائيلية أن رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك أرئيل شارون، أشرف بنفسه على عملية الاغتيال، فيما كان وزير جيش الاحتلال شاؤول موفاز قد أعلن في وقت سابق من العملية أن أجهزته الأمنية تعد خطة لمحاربة حركة حماس لإضعافها، وذلك تمهيداً لتنفيذ خطة الإنفصال والإنسحاب من غزة، وأن قواته ستستهدف كبار قادة الحركة ومن أبرزهم الشيخ أحمد ياسين.

وأدانت الدول العربية والإسلامية والعالمية عملية اغتيال الشيخ ياسين، كما قابلت الفصائل الفلسطينية اغتياله بالعهد على الإنتقام الكبير، فيما أنكرت الولايات المتحدة معرفتها المسبقة بالعملية، ما أثار ردود أفعال سلبية من قبل مجلس الوزراء الإسرائيلي الذي أكد أنه تلقى الضوء الأخضر من واشنطن لاغتيال الشيخ.

 وخلافاً لسابقاتها من عمليات القتل والاغتيال، فان جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأسلوب ارتكابها وتوقيتها أثارت غضباً وغلياناً عارمين في العالم، ولم تكن مجرد حالة من الحزن والإحباط تسود أوساط الرأي العام الفلسطيني.

وهكذا.. اختتم الشيخ أحمد ياسين حياته بالشهادة كما كان يحلم دائما، ليصنع النهاية المألوفة لقائد مجاهد لا يرضى بغير النصر، أو أن يلقى وجه ربه شهيداً، راضياً مرضياً..، ولم يترجل الشيخ عن عربته التي كانت “حصانه الأصيل”، إلا بعد أن نجح في بناء حركة إسلامية مقاتلة، وسيذكر التاريخ أحمد ياسين كقائد جعل فلسطين قضية مركزية، ليس فقط على مستوى الفكر والشروحات النظرية، وانما على مستوى الفعل اليومي والأحداث المتسارعة في العالم أجمع.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *