د. سلام فياض لـ”الشروق”: أمريكا أشهرت “الكرت الأحمر” لوجودي في “الأمم”

حوار – محمـد الرنتيسي:

ما أن أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حكومة تسيير الأعمال قبل عدة سنوات، برئاسة د. سلام فياض، حتى انشغل باستقبال الوفود الكبيرة من الشخصيات الفتحاوية التي عادةً ما كانت تأتيه مُعاتبة، فسلام فياض صاحب الكتلة البرلمانية الصغيرة في المجلس التشريعي “عضوان لكتلة الطريق الثالث” ليس فقط كان “يحكم البلد” وإنما أيضاً يعد لإقامة حزب سياسي، على أنقاض حركة فتح “حسب المعتقد الفتحاوي”.

العتاب الفتحاوي رافقه قلق كبير، فأي نجاح لحكومة سلام فياض، سيُحسب له  ولكتلته، بينما سيُسحب الفشل على الرئيس الفتحاوي الذي اختاره لإدارة السلطة.. ولذا أصبح فياض، الرجل الإقتصادي المخضرم، وصاحب العلاقات الدولية الهائلة، شخصية مثيرة للجدل، وهناك من أطلق عليه لقب “الرجل الأمريكي”!!.. لكن حتى الولايات المتحدة، التي عُرف الرجل بقربه منها، عرقلت قبل أيام، تعيينه بمنصب أممي، بعد أن رشّحه الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، ممثلاً له في ليبيا، ورئيساً لبعثة الأمم المتحدة هناك.

سلام فياض، يعود اليوم إلى المشهد الفلسطيني من جديد، ولئن عرقلت إدارة ترامب، تعيينة بمنصب أممي، إلا أن الأمر الأكيد، أنه لن يخرج خاسراً، لا بل سيسترد من وراء ذلك، شعبية ظن البعض بأنها غابت وتوارت، فيما الحقائق تؤكد بأنها بقيت حاضرة وبقوة.

رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، الدكتور سلام فياض، نفى في حوار مع “الشروق” وجود صفقة لتجاوز “الفيتو” الأمريكي، ضد تعيينه بالمنصب الأممي، مؤكداً أن الموقف الأمريكي الرافض لهذه الخطوة، لم يدع مجالاً للتأويل، حيال إنحياز واضح لإسرائيل، وعرقلة تكريس مكانة دولة فلسطين على الساحة الدولية، وقدّم خطة مرحلية، تنهي الإنقسام الفلسطيني، وتساهم في التوافق على برنامج إجماع وطني، تقوده مؤسسات وطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، داعياً لعدم الإنخراط في أي عملية سياسية، قبل أقرار إسرائيل بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ونترك ما قاله إلى السطور التالية:

– لنبدأ بالذي هو أهم، وحديث الساعة، كيف تُعلّق على عرقلة أمريكا وإسرائيل تعيينك بمنصب أممي، بناء على ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة؟.

الإدارة الأمريكية أشهرت “الكرت الأحمر” في وجه تعييني كممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيساً للبعثة الأممية الخاصة بدعم ليبيا، وهذا أبرز تساؤلات عدة، بشأن مبررات هذا الرفض الأمريكي، وتلا ذلك تكهنات باحتمال ترتيب “صفقة” لتجاوز الفيتو الأمريكي، خاصة وأن الأمم المتحدة لم تحسم أمرها بعد فيما تنوي اتخاذه من إجراء إزاء ذلك، لا لجهة المضي قدماً في تعييني، ولا لجهة اختيار مرشح آخر، وقد تعاظمت هذه التكهنات في أعقاب ادعاءات إسرائيلية رسمية، بلعب دور البطولة في تعطيل تعييني، من منطلق “إنحياز الأمم المتحدة الدائم” للجانب الفلسطيني، ولم يدَع البيان الصحفي الذي أصدرته المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مجالاً للكثير من التأويل، إذ أن ما ذهب إليه ذلك البيان المقتضب صراحة من تعبير عن خيبة أمل، إزاء ما ادعاه من انحياز ضد إسرائيل، وخاصة لجهة ما يمكن أن يحمله تعييني في ثناياه، من تكريس لمكانة دولة فلسطين على الساحة الدولية، أمر في غاية الوضوح.

أما بشأن التكهنات باحتمال عقد صفقة لتجاوز الرفض الأمريكي، وهو أمر لا يجيزه المنطق في ضوء جوهر الإعتراض الذي عبّر عنه البيان الأمريكي المذكور، والمتمثل في عدم الإعتراف بدولة فلسطين، التي نعتز جميعاً بالانتماء إليها، فأود التأكيد على رفضي التام، لأي شكل من أشكال التسويات أو الصفقات، لا لجهة ما يمكن أن “يمغمغ” الإشارة لإنتمائي لفلسطين بمسماها في الأمم المتحدة، ولا لجهة الإبتزاز المتمثل في منح إسرائيل جوائز ترضية “لتحليل” تعييني.. هذا هو موقفي القطعي، والذي لا يمكن أن أتخلى عنه تحت أي ظرف كان.. لن تكون هنالك صفقة، ولا يمكن أن أكون جزءاً من هكذا تسوية.

– دعوتم غير مرّة للتوافق الفلسطيني على برنامج عمل وطني يُجسد الوحدة الوطنية..  لماذا لم تنجح هذه المساعي؟.

أعتقد أن أهم مكامن الضعف والقصور الذاتي، في وجه التهديد الوجودي الحقيقي، الذي تواجهه القضية الفلسطينية حالياً، يتمثل في تجذّر واستعصاء حالة التشرذم والتشظي التي اعترت، ولا تزال، النظام السياسي الفلسطيني، منذ عشر سنوات، هي عمر الإنقسام الفلسطيني، ولذلك قدمنا أفكاراً ومقترحات كمدخل لجوهر وأولويات الجهد الوطني المطلوب للتعامل مع تحديات المرحلة الراهنة، وقد قيل الكثير في هذا المجال، فبات موضع توافق عام، على ضرورة العمل على بلورة مشروع وطني جديد، يحظى بدرجة كافية من الإسناد الشعبي، وهو الأمر الذي لم يعد ممكناً، إزاء ما آل اليه برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، أو لصالح الرؤى والبرامج المعارضة له، ليس فقط خارج إطار المنظمة وإنما أيضاً على نطاق متعاظم، داخل هذا الإطار، وبما انعكس بالتلويح مراراً بالتخلي عنه حتى على المستوى السياسي الرسمي، وفي مناسبات ومحافل عدة.

ومع التسليم المطلق بأهمية بذل كل جهد ممكن، وبما يشمل إجراء حوار وطني شامل وجاد، بغية التوصل إلى توافق على برنامج وطني جديد، يُجسّد وحدة حال الفلسطينيين في سعيهم لتقرير مصيرهم، ونيل حقوقهم الوطنية المشروعة كافة، ينبغي الإقرار بأن هناك صعوبات وتعقيدات حالت دون نجاح هذا الجهد، ومن هذا المنطلق، وريثما يتسنى تذليل وتجاوز هذه الصعوبات والعقبات، قد يكون من المجدي النظر في إمكانية التوافق على برنامج عمل مرحلي، يضمن الشراكة الكاملة والفعلية في صنع القرار، وفي إدارة شؤون الشعب الفلسطيني، ولعل من شأن مثل هذا التوجه تمكين القيادة الفلسطينية من الشروع فوراً في معالجة ومواجهة العديد من القضايا والتحديات الأساسية التي تواجه شعبنا في هذه المرحلة الحرجة، لا كبديل للجهد، المطلوب الإستمرار في بذله لتحقيق التوافق على مشروع وطني جديد، وإنما كرديف له ورافعة أساسية لتعزيز فرصه في النجاح.

– كل من طرح الحلول لإنهاء الإنقسام، أقرّ بوجود صعوبات وعقبات.. فهل هذا يعني الإستسلام للأمر الواقع، واستعصاء تحقيق الوحدة الوطنية؟.

حالة الإنقسام السياسي التي تكرست العام (2007) وتجذرت منذئذ، تعود وما تبعها من تشرذم واستعصاء في بداياتها، إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين تعددت الرؤى والإجتهادات، بشان جوهر ومكونات ما اصطلح على تسميته منذ ذلك الحين بعملية السلام، وقد جاء ذلك بعد فترة من التوافق على الساحة السياسية الفلسطينية، بدأت بإعلان الإستقلال وإطلاق مشروع السلام الفلسطيني إبّان ذروة الإنتفاضة الأولى العام (1988)، وربما مثلت لحظة إعلان الإستقلال محطة توافق فريدة من نوعها في تاريخ الشعب الفلسطيني، ليس فقط لأنها كانت حصيلة جهد استثنائي في بلورة الموقف الوطني في إطار مدعوم بقوة الشرعية الدولية، وإنما وما هو أهم، لأنها لامست في الصميم، وجدان الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وعبرت عن الوعي الجمعي لهم، بما مثّل عُصارة معاناتهم وتضحياتهم عبر مسيرتهم النضالية الطويلة، ممزوجة بوعد قرب الخلاص.. لكن ما هو أكثر خطورة، أن الشرخ الذي وقع العام (2007) تعمق ولا يزال، بمرور الزمن، مع تبدُد الأمل في إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية، التي احتلتها إسرائيل في حزيران العام (1967).

أمام هذا الواقع، والذي ازداد تعقيداً بشكل مضطرد على مدار العقد الفائت نتيجة لحالة الإنقسام والتشرذم التي ألمَّت بالنظام السياسي الفلسطيني، وأضعفت أداء مختلف مكوناته، وأيضاً لتطورات إقليمية ودولية أقصت القضية الفلسطينية عن دائرة الإهتمام المباشر على هذين الصعيدين، لا يبدو من الممكن الآن بلورة رؤية سياسية تحظى كافة مكوناتها بتوافق وطني تام، لا لجهة أسس ومنطلقات هذه الرؤية، ولا لجهة الآليات والأدوات اللازمة لتنفيذها.

– كثيرون ألقو عليكم باللوم، بأن الإنقسام “إستشرى” في ظل رئاستكم لأكثر من حكومة، وفشلتم في إنهائه، كيف ترد؟

كانوا يقولون: “فياض رجل أمريكي.. ومرضي عنه.. أمريكا تريده، وإسرائيل تريده، وطالما بقي رئيساً للحكومة سيظل الإنقسام قائماً، الآن ذهب فياض.. فلماذا لم ينتهي الإنقسام؟.

– برأيكم، ما هي المرتكزات والمكونات الأساسية لبرنامج مقترح للمرحلة الحالية؟.

من منطلق الحرص على تبديد أي شك على الساحة الداخلية بشأن ما آل إليه موقف منظمة التحرير الفلسطينية، في ضوء ما اعترى مرجعيات “عملية السلام” من تآكل خطير بعد ما يزيد عن عقدين من فشل جولات متكررة من المفاوضات مع إسرائيل، وبما انعكس في تشكيل حالة من التوجس إزاء ما شاع من توقعٍ بحتمية تقديم الفلسطينيين المزيد من التنازلات في إطار أية تسوية دائمة، وفق إطار التفاوض القائم منذ العام (1993)، يتم التأكيد من قبل المنظمة على التمسك التام بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني كما عرفتها الشرعية الدولية، وفي مقدمتها الحق في عودة اللاجئين إلى ديارهم، والحق في تقرير المصير، وفي دولة كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة العام (1967) وعاصمتها القدس الشرقية.

مثل هذا التأكيد، يوفر أداة لتحقيق هدف مزدوج، يتمثل الشق الأول منه في إرسال رسالة واضحة مفادها: أن لا استمرار في التفاوض على أساس النهج القائم، وإنما، وبما يقتضيه مبدأ الندية في التعامل، على أساس الإعتراف بحقوقنا الوطنية كمدخل لا يمكن القفز عنه.

هذا هو الأساس، ولكن، من جهة أخرى، فقد وضعت صيغة الإعتراف هذه الفلسطينيين منذ البداية، وحتى قبل الشروع في التفاوض على معايير الحل، في موقف المتلقّي الذي يجب أن يكون ممتناً لأي فتات تلقيه إسرائيل تجاهه.. ما هكذا يصنع السلام، وهذا ما يجب أن يفهمه العالم، وفي الأساس قادة إسرائيل، “فلا سلام مع الإحتلال، ولا سلام بين سادة وعبيد”.

أما الشق الثاني للهدف من التأكيد على التمسك بحقوقنا الوطنية كافة، فيكمن في أنه يمثل مدخلاً هاماً للشروع الفوري في إنهاء حالة الإنقسام والتشظي في النظام السياسي الفلسطيني، والتي على خلفية الفشل المتصل في إنهائها رغم الإدعاء المتكرر بضرورة ذلك، أضعفت القدرة الفلسطينية على السعي الفاعل لنيل الحقوق، وأفضت، في ظل التفشي المتعاظم للشعور ليس فقط بالعجز، وإنما بعدم توفر النية لطي صفحة الإنقسام، إلى تدهور غير مسبوق في مكانة النظام السياسي القائم برمته.

– إزاء استمرار الغطرسة الإسرائيلية من جهة، والإنقسام من جهة أخرى، ما الخيارات والبدائل التي تطرحونها؟.

يجب أن تُكلَّف الحكومة، المخولة بممارسة كامل الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون الأساسي، والمدعومة بمشاركة جميع الأطياف والقوى السياسية، بشكل أساسي بالمهمة المزدوجة، لجهة إنجاز إعمار غزة، وإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية والأطر القانونية في الضفة الغربية وغزة، ويجب أن يتم ذلك في ظل المساءلة الكاملة التي تتأتى بالإنعقاد الفوري للمجلس التشريعي، والذي من شأنه أيضاً أن يسهم بشكل مباشر كرافعة أساسية لمنظومة متكاملة من الحكم الرشيد والإدارة السليمة.

وأما بشأن أولويات العمل، فأرى أن تقتصر مداولات الإطار القيادي المؤقت في المراحل الأولى لانعقاده على الحاجة لإنجاز الاجندة الوطنية الداخلية، خاصة فيما يتعلق بتكثيف الجهد لتوفير مقومات صمود شعبنا، لا سيما في القدس، وإنجاز إعادة إعمار قطاع غزة وتوحيد المؤسسات والأطر القانونية والتنظيمية بعد عشر سنوات من الإنفصال، ولكن، من المنطقي أن يكون هنالك تزامن بين المهلة اللازمة لإنجاز هاتين المهمتين الرئيسيتين، وبين مهلة ما يمكن التوافق عليه فلسطينياً، بشأن موضوع الهدنة مع إسرائيل الذي تم التداول بشأنه من حين لآخر، منذ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وبما يمهد لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، يحدد سقفاً زمنياً مؤكداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بنهاية مدة الهدنة.

وإضافة لذلك، فإن من شأن الإلتزام الجاد بإجراء انتخابات عامة، وفي هذه المرحلة بالذات، إرسال رسالة هامة لشباب فلسطين بشأن الحرص على إشراكهم الفاعل في صنع القرار، ولكن حتى تتحقق تلك الإمكانية، يجب عدم الإلتفات لاستمرار بعض مكونات المجتمع الدولي في الإصرار على التطبيق التام لما يسمى بمبادىء اللجنة الرباعية، وبما يشمل عدم التوقف إزاء حرفية ما ورد في بيان اللجنة الأخير حول هذه المبادئ، والمتمثلة أساساً في توقع التزام أية حكومة فلسطينية باتفاقيات أوسلو، علماً بأن المقابل المفهومي لهذه المبادئ في الجانب الإسرائيلي، أي قبول حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة، لم يتمّ أبداً توقّعه رسمياً من قبل المجتمع الدولي، من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ أوسلو.

هنا أيضاً، يجب الإحتكام لمبدأ الندية في التعامل، إذ لا يجوز القبول بواقع يقضي بالتزام كافة مكونات النظام السياسي الفلسطيني بأمر لا يوافق عليه حتى مجرد عضو واحد في الحكومة الإسرائيلية، ومن يدّعي من قادة إسرائيل خلاف ذلك، أو يزعم أنه موافق على مفهوم حل الدولتين، عليه أن يوضّح، خاصة في ضوء ما هو معلوم جيداً عن جوهر الرؤية الإسرائيلية، أن ما يقصده بالفعل ليس دولة مسخ أو فتات.

– لطالما ناديتم بإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، كيف ترون برنامجها المستقبلي الأمثل؟.

بطبيعة الحال، لا يمكن تجاهل الحاجة للنقاش بعمق في موضوع البرنامج الحالي والمستقبلي لمنظمة التحرير، علماً بأن هنالك نقطة خلاف جوهرية تقع في صلب البرنامج الحالي، ألا وهي تلك التي تتمحور حول مفهوم حل الدولتين من أساسه، والتي اكتسبت أهمية بارزة بعد التوقيع على إتفاقيات أوسلو، وعلى نحو متعاظم بسبب فشل الرهان على إمكانية إطار أوسلو إنجاز دولة فلسطينية مستقلة بحلول نهاية الفترة الإنتقالية، والتضاؤل المضطرد منذئذ، تحت وطأة المشروع الإستعماري الإستيطاني وانتهاكات الإحتلال الأخرى، في الإعتقاد بإمكانية قيام هذه الدولة، وللتعامل مع هذه المسألة الجوهرية، ليس من المستحسن إطلاقاً اللجوء إلى صياغات مبهمة أو حمالة أوجه، بل يجب الإقرار بجوهرية ومشروعية الخلاف، ولكن أيضاً بصعوبة حسمه بالسرعة المطلوبة، وبالتالي، قد يكون من المناسب اعتماد نهج يقضي بإرجاء البت في هذه المسألة إلى أجل مسمى، وتحديداً إلى أجل مسقوف بنهاية الموعد الأقصى لإنهاء الإحتلال.

وبالتوازي مع ذلك، لا ينبغي التوقف، ولو للحظة، عن الإنخراط التام، وعلى كل المستويات الرسمية والأهلية والشعبية، في دحر الإحتلال وبسط واقع الدولة الفلسطينية على الأرض، ويعني هذا بالضرورة تركيز الجهود على تعزيز القدرة على البقاء المقاوِم، والتمكين الذاتي في وجه الإحتلال وممارساته، وخاصة في القدس والمناطق المسماة (ج)، بما فيها الأغوار.

وبالإضافة للمنطق الذي لا يحتاج إلى الكثير من البيان بهذا الشأن، لكونه ليس إلا ترجمة عملية لشعار الصمود الذي يتبناه الفلسطينيون كافة، فإن فيه أيضاً تنفيذاً لمطلب الإنعتاق من أوسلو التي قضت باستثناء القدس من النشاط الرسمي للسلطة الوطنية، وبقيود مكبلة جداً تصل إلى منع نشاطها في حوالي (60) بالمئة من مساحة الضفة الغربية، بما يشمل منطقة الأغوار.

بالتالي، فإن الإنخراط في بسط واقع الدولة وتجسيدها على الأرض، يمثل في جوهره، وكمكون أساسي لرؤية سياسية متكاملة، جهداً حقيقياً لإذكاء روح المشاركة الشعبية في استنهاض القدرات الذاتية، وتسخيرها لدعم البقاء الفلسطيني المقاوم على أرض فلسطين، وصولاً إلى دولة المؤسسات وسيادة القانون.

– كيف تقيّمون مدى التقدم المُنجز في اتجاه إقامة الدولة الفلسطينية؟.

من جهة، لدينا الآن إقرار دولي بمكانة فلسطين كدولة، وتحديداً القرار الأممي الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني العام (2012)، والحصول على الإعتراف الأممي بمكانة فلسطين كدولة.. بطبيعة الحال هذا إنجاز في غاية الأهمية، وما لا يقل أهمية في هذا الصدد أن الإقرار الدولي بجاهزية مؤسسات السلطة الوطنية لقيام الدولة مثّل رداً عملياً وناجعاً على الذرائع التي طالما سيقت بغير وجه حق، في معرض الإدّعاء بعدم جدارة الفلسطينيين بدولة لهم.. نعم، لا يمكن التقليل من شأن هذا الإنجاز التمكيني، خاصة وأنه تحقق بفعل مردود جهد تمكيني لجهة ما أدى إليه بناء المؤسسات وتعظيم قدرتها على تحسين مستوى الخدمات المقدمة منها، لتعزيز القدرة على الصمود في وجه الاحتلال.. لكن، في ذات الوقت، وبالرغم من أهمية هذا الإنجاز، فإن الموضوعية تقتضي الإقرار بأن واقع الاحتلال الاسرائيلي أكثر تجذراً اليوم، مما كان عليه قبل نحو خمس سنوات، عندما صدر القرار الأممي المذكور، وفي هذا بكل تأكيد، إخفاق كبير، وربما الإخفاق الأكبر.

– ما المقادير اللازمة للخروج بطبق تنفيذي يُعتمد كإستراتيجية لرد الأطماع الإسرائيلية، ويُجمع عليه الكل الفلسطيني؟.

العناصر الأساسية لمكونات برنامج إجماع وطني مرحلي، يحقق الشراكة الكاملة في تحمل المسؤولية على صعيدي: التمثيل الفلسطيني وإدارة الشأن الداخلي، وذلك من خلال السعي لتوظيف التعددية السياسية لا لتغييبها، وتحديداً من خلال المحافظة على ما نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيقه لجهة حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، من جهة، والإستفادة من عدم قبول الفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة، وحتى من قبل بعض مكوناتها، بكافة عناصر برنامجها في اتجاه معالجة ما اعترى مرجعيات “عملية السلام” من تآكل، من جهة أخرى.

وإلى أن يصبح توسيع عضوية منظمة التحرير ممكناً، سواء من خلال الانتخابات أو أية آلية موضوعية أخرى يتم التوافق عليها، يبقى برنامج منظمة التحرير دون تغيير وتحتفظ المنظمة بمكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، بينما يُدعى الإطار القيادي الموحد للإنعقاد بصورة عاجلة، وتفعيل هذا الإطار، الذي يضم في عضويته كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة، على نحو يجعل من قراراته الجماعية في كافة القضايا المتعلقة بالمصلحة الوطنية العليا، جوهر ومضمون القرار الفلسطيني الموحد، الذي تتولى منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية التعبير عنه في كافة المحافل والاتصالات الدولية، ويضاف إلى ذلك: تحقيق التزامن بين السقف الزمني للهدنة التي يمكن للفلسطينيين ان يتوافقوا على عرضها، وبين تاريخ محدد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، مع العمل على ترسيم مثل هذا التفاهم في قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، على أن تلتزم إسرائيل طوال فترة الهدنة بالوقف التام للإستيطان بكافة أشكاله، وتمتنع عن اتخاذ أية إجراءات من شأنها عرقلة سعي الفلسطينيين لبسط واقع دولتهم على الأرض، وبما يشمل رفع الحصار عن قطاع غزة وكافة أوجه الإعاقة القائمة في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية مكونة من قيادات الصف الأول في كافة الفصائل، وتخويلها لأقصى درجة يتيحها القانون الأساسي بإعادة بناء وتوحيد المؤسسات والاضطلاع بكافة المسؤوليات المنوطة بها، على النحو المنصوص عليه في القانون، والإلتزام بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وأن لا يتم الإنخراط في أية عملية سياسية مع إسرائيل، دون إقرارها المسبق بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني كافة، كما عرّفتها الشرعية الدولية، وقبولها بمرجعيات “عملية السلام” المعتمدة دولياً، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية.

– التأييد الدولي يتصاعد أفقياً وعمودياً لدعم القضية الفلسطينية، كيف تنظرون لهذا الإسناد؟.

لا بد على درب بسط واقع الدولة وتجسيدها على الأرض، من الحرص على المثابرة، وبكل عزيمة وإصرار، على مراكمة الإنجازات والبناء عليها، وبما يشمل الإستفادة من رفع مكانة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، ليس فقط على الصعيد الخارجي، على أهمية ذلك، وإنما أيضاً على أرض فلسطين نفسها بالتصرف بمنطق الدولة، وفي هذا الظرف بالذات، في إعادة قضية فلسطين إلى دائرة الاهتمام الدولي من منطلق اعتبار حلها العادل جزءاً من الرد الفاعل على النزعة الرفضوية، الناجمة عن حالة الحرمان والتهميش واليأس التي طالما شكلت وريداً مغذياً للتطرف في المنطقة.

كما أن بسط واقع الدولة يملي السعي الحثيث لفرض وجود مؤسسات الدولة في كافة أرجاء الوطن، ودونما أي اعتبار للتصنيفات المجحفة التي ولّى زمنها، حتى قبل انقضاء حقبة أوسلو الإنتقالية.. فهذا حق، وهو أيضاً واجب في كل الظروف، ولكنه بات ملحاً في مجال الأمن لتوفير الحماية اللازمة لمواطنينا في وجه همجية المستوطنين الإسرائيليين وإرهابهم، وبما يشمل بشكل رئيسي نشر قوات الأمن الفلسطينية، في كافة التجمعات السكانية الفلسطينية بمعزل عن تصنيفات أوسلو، ولعل في مثل هذا الإجراء، في هذا التوقيت بالذات، وعلى خلفية الشك والتشكيك بمصير كياننا الوطني، ووحدة حالنا، رسالة أخرى في منتهى الأهمية مفادها “إنا هنا باقون”.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *