أبناء الشهيد نشأت عصفور ينتظرون عودته.. ويناجون صوره على الجدران

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

ما أن تسمع الطفلة ليال، إبنة الـ(4) سنوات، عودة أعمامها من عملهم مساء، حتى تبدأ تنادي “بابا.. بابا”، فقد اعتادت هذه الطفلة أن يعود والدها الشهيد نشأت عصفور (35) عاماً، مساء كل يوم مع إخوته من عملهم، ويسارع لاحتضانها ومداعبتها.

أسرة الشهيد عصفور، كانت تعيش في منزل مشترك مع العائلة، في بلدة سنجل، شمال رام الله، قبل أن تنقل حديثاً، إلى منزلها الجديد، الذي بناه زملاء الشهيد في نادي سنجل الرياضي، الذي كان الشهيد عضواً فيه، وأحد عناصر فريقه بالكرة الطائرة، ومن ثم رئيس رابطة مشجعيه.

تقول والدة الشهيد نشأت، الذي سقط خلال مواجهة مع قوات الإحتلال التي كانت تقتحم البلدة، في الثامن عشر من كانون الأول العام (2015) خلال هبّة القدس الأخيرة، أن أطفاله الثلاثة: جمال (7) سنوات، محمـد (6) وليال (4)، يشعرون بانقباض شديد، مساء كل يوم، عند عودة أعمامهم من العمل، دون والدهم الذي ارتقى شهيداً، وقالت: “جمال الكبير، يدرك أن والده استشهد ولن يعود، لكن الآخريْن، الأصغر منه، لا يدركون ذلك، ويعتقدون أنه ذهب وسيعود، ولهذا فهم ينتظرون عودته مساء كل يوم”.

جمال يتخلى عن طفولته:

وفي كل يوم تسمع زوجته الثكلى، ذات الأسئلة القاسية من أطفالها: “بابا راح.. لكن متى سيعود”؟.. “غيبة بابا طالت.. متى سنراه”؟.. وقد جاء تأثير استشهاد نشأت على ابنه البكر جمال مختلفاً بعض الشيء، فقد أخذ هذا الطفل إبن السبع سنوات، يشعر بأنه غدا رجل البيت، وأن عليه واجبات ومسؤوليات كبيرة”!!.

قالت والدته: “جمال فقد طفولته، وأصبح ينظر لنفسه كرجل عليه مسؤوليات كبيرة، فعندما يرى أمه تبكي يقول لها: ماما لا تبكي، بابا شهيد والشهيد حبيب الله، وقبل أن يذهب إلى مدرسته في الصباح، يسألها عن ما تحتاجه، وعندما يعود ظهراً يسألها أولاً عن احتياجات البيت، قبل أن ينزوي وراء كتبه”.

قبّل طفلته وذهب:

طفلة الشهيد نشأت، دائمة السؤال عن والدها الذي طبع قبلة الوداع على وجنتها، وذهب إلى مواجهة جيش الإحتلال، ولكنه لم يعد.

يقول عم الطفلة عبد الرزاق: “عندما تنتبه إلى صورته المعلّقة على الجدار، تبدأ بالبكاء قائلة: (بدّي بابا).. ثم نشاغلها قليلاً حتى تنسى، لتعود إلى السؤال والبكاء من جديد”.

ورغم عدم إدراك هذه الطفلة معنى غياب والدها، إلا أن إحساسها بالغياب جعلها دائمة الحزن والبكاء، فقد تغيرت حياتها كلياً، فلم تكن يوماً حزينة، ودائمة البكاء كما هي اليوم”.

تتحدث إليه في الصورة:

ليال، أصبحت تعيش حالة من التشوش الذهني، بعد رحيل والدها، فهي سعيدة لأن صور والدها تملأ الشوارع، ولأنه ذهب إلى الجنة كما قال لها الكبار، لكن عندما يحل المساء، ولا يعود، تبدأ بالسؤال عنه، ومتى يعود لاحتضانها وملاعبتها، وماذا سيُحضر لها.

“غالباً ما تقف ليال أمام صورة والدها المعلقة في غرفة الجلوس، وتتحدث إليه كما كانت تفعل وهو حي”، قالت جدتها، وأضافت: “نحاول أن لا نترك أي فراغ في حياتها منذ استشهاد والدها، ولكن لا شيء يعوّض الطفل عن أبيه”.

كان الشهيد “أبو جمال” أوصى أشقاءه وأسرته على طفلته بالذات، قبل أن يستشهد، وعن ذلك تقول والدته: “كان رحمه الله يعرف أنه سيستشهد يوماً ما، لذا كان يوصينا دائماً على ليال.

يقول أحد رفاقه: “كان نشأت مصمماً على الشهادة، ففي يوم استشهاده، لاحق جيش الإحتلال حتى مدخل البلدة، وكان يتقدم الصفوف، ونصحه الشباب بالإبتعاد قليلاً، وأخذ الحيطة والحذر، لكنه لم يستمع لأحد، وكم حاولت أن أثنيه عن المخاطرة بنفسه في المواجهات، لكنه كان يجيبني دائماً: أنا لست صغيراً وأعرف تماماً ماذا أفعل، وكل ما عليك هو أن تعتني بأطفالي، في حال استشهادي، هذه هي مسؤوليتك”.

والده أشار إلى أنه حاول هو الآخر ثني نشأت عن الذهاب إلى المواجهات، رأفة بأطفاله وزوجته، إلا أنه أبى، وذات مرة “لحقت به كي أعيده، لكنه رفض الإستجابة لرجائي له بالعودة، ومضى”، قال والده وتابع: “لإدراكهم أن مصيرهم قد يكون الشهادة، فإن الآباء من الشهداء دائماً يوصون على أطفالهم، قبل خروجهم إلى المواجهات”.

وصية نشأت:

الشهيد نشأت عصفور، كان قبل استشهاده بلحظات، يوصي أصحابه على طفلته “المدللة”، وقال لأحدهم: “خطيّة بنتي في رقبتك.. دير بالك عليها بعد استشهادي”.

وفي يوم تشييعه، حاولت عائلة عصفور، أن تجنّب طفلته ليال، رؤية جثمان والدها، لكن: “مهما فعلنا، فالأطفال لا ينسون آباءهم، فهي دائمة السؤال عن أبيها” أضاف والده.

نشأت، كان مرحاً، ينشر الفرح بين أصحابه، كلما قابلهم، وأبرز ما كان يميزه عن غيره، روح الدعابة، لدرجة أنه حتى عندما أصيب أثناء المواجهات، وصاح برفاقه، أن رصاص الإحتلال نال منه، وسقط على الأرض، ظنّوا أنه “يمزح” ويمارس طقوس الشهداء!!.

أطفال الشهيد نشأت، يشكّلون نموذجاً متكرراً في منازل الشهداء، الذين رحلوا وتركوا أطفالهم وأسرهم، فهناك كم وافر من الأطفال، من هم بحال جمال ومحمـد وليال، حيث قلبت قوة بطش المحتلين، أوراق الحياة النمطية لأطفال فلسطين.

 

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *