“الحكيم” في آخر مكالمة هاتفية كان قلقاً على الوحدة.. رافضاً للإنقسام.. مشدداً على حق العودة

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

لا تمت قبل أن تكون نداً.. كلمات أطلقها حكيم الثورة الفلسطينية، كما يحلو للفلسطينيين أن يسموه، قبل أكثر من خمسين عاماً، وستظل نبراساً ووصية لرفاق دربه، الذين غاب عنهم جسداً، لكنه ظل حاضراً في عقولهم وقلوبهم.

بعد حياة حافلة بالكفاح والنضال، رحل القائد المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، ليغيب بذلك قائد تاريخي ثانٍ للثورة الفلسطينية بعد الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبل أن تكتحل عيناه برؤية فلسطين محررة والأمة العربية موحدة كما كان يحلم دائماً.

رحل “الحكيم” في ظل ظروف غاية في الصعوبة عاشها الشعب الفلسطيني وقضيته، حيث التمزق والإنقسام يطال الأرض والإنسان، ومخاطر عديدة تتهدد حقوق الفلسطينيين ومشروعهم الوطني، فشهدنا قدساً محاصرة يلتهمها التهويد والإستيطان، وضفة تنهشها آليات الاحتلال ليل نهار، وغزة تعاني الأمرّين تجويعاً وحصاراً، ولاجئون أصبحت قضيتهم في مهب الريح.. رحل الحكيم وشعبه أحوج ما يكون لحكمته وصلابته، وحرصه على الوحدة والمقاومة.

ويعتبر الدكتور جورج حبش من أبرز قادة الثورة الفلسطينية المعاصرة، إذ أسس مطلع الخمسينيات حركة القوميين العرب، والتي لعبت دوراً بارزاً في إيقاظ المشاعر الوطنية والقومية في الوطن العربي، وأعُتبر قائداً لها منذ تأسيسها، ولقّبه الرئيس الراحل ياسر عرفات بـ”حكيم الثورة” لما يتمتع به من فكر وقدرة على التحليل السياسي المبني على أسس علمية، ويشار إليه كقائد ثوري وطني وقومي، كرّس حياته كلها للقضية الفلسطينية والعربية برمتها، إذ امتاز بمظهر الثابت على مواقفه، الرافض لكافة المشاريع والحلول التي تنتقص من الحقوق الفلسطينية المشروعة.

وما لا يمكن تجاهله أن حبش لعب دوراً أساسياً على صعيد التطورات السياسية التي شهدتها القضية الفلسطينية في مناسبات عدة، لعل أبرزها وقوفه وراء عملية قتل (22) إسرائيلياً رمياً بالرصاص في مطار اللد، العام (1972)، وكذلك اختراع عمليات خطف الطائرات واحتجاز الرهائن مطلع السبعينيات، لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية، وانتقاده للرئيس الراحل عرفات لتفاوضه مع إسرائيل وتوقيع اتفاقية أوسلو العام (1993)، غير أنه رحل وفي قلبه غصة، فقد فارق فلسطين وهي تغرق في “حروب داخلية” بين أخوة السلاح وأبناء المصير الوحيد.

وفي الذكرى التاسعة لرحيله، التقت “الشروق” عدداً من قادة وكوادر الجبهة الشعبية وحركة القوميين العرب، الذين عملوا مع الحكيم لسنوات طويلة، فكانت هذه المحطات:

إرساء للديمقراطية:

القيادي في الجبهة الشعبية عبد الرحيم ملوح، بيّن أن شخصية الحكيم تجاوزت الساحة الفلسطينية، حيث كان قائداً لحركة القوميين العرب قبل أن يكون قائداً للجبهة، كما كان ناشطاً في الإتحادات الطلابية بالتعاون مع مجموعة من الطلبة في أكثر من قطر عربي، لافتاً إلى أنه تمتع بشخصية وطنية وقومية عربية، جعلته بامتياز من نخبة قيادات الجبهة الشعبية التي أسسها العام (1967).

وأضاف ملوح: “عمل الحكيم طوال حياته بأفق تقدمي وديمقراطي في علاقاته مع مختلف القوى والطبقات، وخاصة الفقيرة، حتى أنه عندما تخرج وأصبح طبيباً، قدّم الخدمات الطبية لسكان المخيمات الفلسطينية في الأردن تطوعاً.

ويصف ملوح، القائد التاريخي للجبهة الشعبية، بأنه كان مثالاً للجرأة والصلابة، وأن جرأته تجسدت باتخاذه للقرار الشجاع بالتنحي عن قيادة الجبهة، وهو في منصب قيادي، ليرسي بذلك تجربة ديمقراطية رائدة، تُضاف إلى سجله الحافل بإرساء العديد من التجارب في الحياة الفلسطينية الداخلية.

وعن مواقفه الأخيرة حول التطورات التي كانت تسيطر على المشهد الفلسطيني، أكد ملوح أن الحكيم كان حريصاً كل الحرص على الحوار الداخلي الفلسطيني، واعتبر ما تعيشه الساحة الفلسطينية آنذاك من صراع داخلي مضراً بالوحدة الوطنية، خاصة وأنه رفض في كل المراحل وفي حال وجود أي نزاع، لجوء أي طرف للحل العسكري واستباحة الدم الفلسطيني، مؤكداً على مقولته المشهورة: “إعدام الفلسطيني حرام على الفلسطيني، والسلاح يجب أن يوجه فقط للإحتلال.

رمز للوحدة:

بدورها، اعتبرت خالدة جرار، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، الراحل جورج حبش رمزاً للوحدة الوطنية، والصلابة السياسية والفكرية، مشيرة إلى أن رمزية الحكيم تتجلى في التمسك بالمباديء الإنسانية، حيث امتاز بإنسانية شفافة، فهو يهتم بالتفاصيل ويشجع النساء والشباب، “لقد كان يفرح عند تحقيق أي نجاح لأي امرأة أو فتاة فلسطينية في مجال ما.. صلب في مواقفه السياسية دون مهادنة، تشرّبنا منه وضوحه الطبقي وحسه في الدفاع عن الفقراء، وثوريته.

ومضت جرار تقول: “ليس غريباً على الحكيم أن يتنحى عن منصبه كقائد للجبهة، بالرغم من أن قيادات الجبهة انتابتهم الخشية في المؤتمر السادس من عدم ترشيح نفسه، لكن كلمته أقنعت كل الرفاق، حيث زرع في نفوسنا أن الجبهة مؤسسة وليست فرداً، وأن بإمكانها أن تواصل عملها بأي قائد، الأمر الذي دفعنا لاحترام رأيه دون قناعة داخلية.

وأشارت جرار إلى أن الحكيم ورغم تنحيه عن منصبه الا أنه ظل أشبه ما يكون مستشاراً للجبهة في كل المحطات والقرارات الهامة، لافتة إلى أنه هاتفها قبل أسبوعين من رحيله، وكان قلقاً على الوحدة الوطنية، رافضاً للإنقسام الداخلي، وخائفاً من حدوث تنازلات سياسية خلال المفاوضات التي رفضها من حيث المبدأ، موضحة أن أكبر مخاوفه كانت على ضياع حق العودة للاجئين، الذي كان يصر دوماً على أنه جوهر القضية الفلسطينية، مضيفة: “كان يردد دائماً عليكم حماية هذا الحق.

حكيم الثورة:

من ناحيته، قال الكاتب والمفكّر عادل سمارة، أحد رفاق الحكيم في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية، أن الحكيم كان شخصاً رزيناً ومهذباً، ومستمعاً جيداً، ما أعطاه حالة كارزمية إلى حد كبير، مشيراً إلى أنه كان أحياناً يشعل “سيجارته” لتنطفيء قبل أن يأخذ منها نفساً واحداً، لشدة اهتمامه بسماع آراء المتحدثين أمامه.

ويضيف سمارة: “عاش الحكيم بشكل متقشف، لدرجة أنه لم تظهر عليه علامات القيادة، فقد كل ما يشغله فقط العمل النضالي”، مؤكداً أنه كان مثالاً للديمقراطية الحقيقية، غير متزمت في رأيه وغير قمعي، علماً أن القائد السياسي يجب أن يكون أكثر حدة في بعض الحالات.

وأوضح سمارة أن الحكيم كان حكيماً حقاً، فلم يكن يؤمن يوماً بدولة في المنفى، الا أنه لم يتخذ أي مواقف حادة تجاه ذلك، لحرصه على الوحدة الوطنية.

مدرسة في البسالة:

أما الكاتب أحمد قطامش، فقد رأى أن الحكيم عاش منعطفاً تاريخياً مدمراً، تضاف إليه نكبة فلسطين، والتطهير العرقي المخطط من قبل المشروع الصهيوني، ما جعله يصل لاستنتاج عن أهمية بناء أداة ثورية عربية لمواجهة المشروع الإستعماري الغربي، الحاضنة القوية للمشروع الصهيوني، وبالتالي تحرير فلسطين.

ويؤكد قطامش أن الحكيم وصل مبكراً إلى خلاصات عن سقوط بعض الأنظمة العربية الرجعية لدورها المتعاطي، وخاصة بعد هزيمة العام (1967)، والتي أثبتت أن أنظمة البرجوازية العربية عاجزة عن حماية الأمة وتحرير فلسطين، ما دفعه لتأسيس فصيلاً مقاتلاً يحمل فكراً ينحاز للطبقات الشعبية، باعتبارها المادة الأساسية في الثورة.

ويعتبر قطامش أن الحكيم شكّل مدرسة في البسالة والعطاء، حيث عاش في قلب القواعد وخاض عدة معارك قتالية، وكان دوماً على الخطوط الأمامية، وخاصة أثناء حصار بيروت العام (1982)، مشيراً إلى أنه في مرات عديدة تدخلت أوساط فلسطينية وغير فلسطينية، لسحبه من خطر الإستشهاد.

ويختم قطامش قائلاً: “كان الحكيم في مشهده الأخير، يلعن النهج التفريطي والفساد، ويدعو لتطهير النضال الفلسطيني.. كان ينظر بقلق لتعمق الإنقسام الفلسطيني الداخلي، ويدعو للوحدة والتكاتف، “إنه بحق حكيم الثورة“.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *