في ذكرى إنشائها.. “عصبة الأمم” بوابة هجرة اليهود إلى فلسطين

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

تصادف هذه الأيام، ذكرى ميلاد عصبة الأمم، والتي أنشئت في العاشر من كانون الثاني العام (1920)، وذلك مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وبموجب معاهدة “فرساي” التي وقع عليها يوم الثامن والعشرين، من حزيران، العام (1919) ممثلو الدول المتحاربة “المنصورين” وهم دول الحلفاء، وممثلو ألمانيا “المهزومين”، وقد فشلت هذه العصبة في إقامة نظام دولي جديد يقوم على العدالة وضمان السلم والأمن الدوليين، وتطوير التعاون بين الأمم، ولهذا لم تعمر طويلاً، فانتهى أمرها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بإنشاء هيئة الأمم المتحدة، وكان الأبرز في العهد الذي قامت بموجبه، إنشاء “لجنة الإنتداب الدائمة”.

هذا الانتداب فرض الاحتلال على الأراضي العربية، التي كانت تحت الحكم العثماني، رغم تناقضه مع ما تم الإتفاق عليه في المراسلات التي جرت بين الحسين بن علي، شريف مكة، و”هنري مكماهون” الذي وعد بمنح العرب إستقلالهم، بعد نهاية الحرب العالمية، وكان الأشد ضراوة في الإحتلال، ما فُرض على أرض فلسطين، في سبيل تنفيذ وعد بلفور، الذي صدر قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، في الثاني من تشرين الثاني (1917).

في هذا الإطار، يقول الكاتب والباحث في الشؤون الفلسطينية، عبد الحميد الهمشري، أن فلسطين كانت في تلك الفترة، هدف الإحتلال البريطاني، وبدعم أمريكي مطلق لهذا التوجه، رغم عدم عضوية الأخيرة في العصبة، لافتاً إلى أن فلسطين، كانت دون بقية الأقطار العربية، هدفاً للإحتلال والإستعمار الإستيطاني معاً، واحتلتها بريطانيا منتدبة بتفويض عصبة الأمم، في حين قامت الصهيونية بتنفيذ خطتها بتعزيز الهجرة والإستيطان، تحت حماية ورعاية وقوة سلاح “الدولة المنتدبة”.

وحتى نفهم دور عصبة الأمم في توفير الظروف والشروط اللازمة لتحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين، يؤكد الهمشري أنه لا بد من استعراض ما تم الإعداد والتجهيز له في مرحلة ما قبل عصبة الأمم، وما سعت إليه بريطانيا من أجل شرعنة احتلالها لأرض فلسطين، تمهيداً لما ستقوم بتنفيذ ما رسمته سياستها الخارجية، والذي اختطته ليكون النهج والدور الذي ستلعبه في تنفيذ الوعد الذي أصدره وزير خارجيتها “آرثر بلفور” حتى إذا قامت هذه الهيئة الدولية، إستخدم الإستعمار والصهيونية تلك العناصر والعوامل، باسم العصبة، وفي إطارها ومن خلالها، لتنفيذ المراحل الأولى للمشروع الصهيوني.

ويقول: “أدمجت إنكلترا تصريح بلفور في صك الإنتداب على فلسطين، وأقرت عصبة الأمم هذا الصك بتاريخ: (24/7/1922)، منتهكة بذلك أحكام عهدها، رغم وجود تناقضات ما بين وعد بلفور وعهد عصبة الأمم، بخصوص حق تقرير مصير الدول التي يفرض عليها الإنتداب، من جوانب ثلاثة، الأول: أن الوعد لم يكن يتفق مع روح تعهدات الإستقلال التي قدمت للعرب قبل صدوره وبعده،  والثاني: أن هذا الوعد تقرر بالإتفاق مع منظمة سياسية هي “الاتحاد الصهيوني” وفق الهدف المعلن عنه وهو إقامة “وطن قومي” لأناس يُستقدمون من الخارج إلى فلسطين، لإحتلالها واغتصاب وطن الشعب العربي الفلسطيني، والثالث: أن إنكلترا قدمت من خلال الوعد إلى المنظمة الصهيونية التزامات بشأن فلسطين، وفي وقت كانت هذه الأرض ما تزال تشكل رسمياً، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.

وبعد إقرار صك الإنتداب بثلاث سنوات أضفت الإتفاقية الإنكليزية –  الأمريكية العام (1925) صفة رسمية على موافقة حكومة الولايات المتحدة، على تنفيذ صك الإنتداب رغم أن الأخيرة لم تكن عضواً في العصبة، وقد استغلت المنظمة الصهيونية هذه الإلتزامات، للسير قدماً نحو تنفيذ خططها الرامية إلى استعمار فلسطين، على أساس تصريح بلفور وتنفيذه، عن طريق نظام انتدابات عصبة الأمم.

بدوره، قاوم الشعب الفلسطيني هذه الخطط، باعتبارها تنكر حقه الأساسي في تقرير المصير، وبخاصة بعد إدراكه أن وطنه سيكون هدفاً للإغتصاب، خلال المرحلة التي يكون فيها تحت انتداب عصبة الأمم.

وحدثت هبّات وصدامات كثيرة إحتجاجاً على ذلك، وأشهرها “ثورة البراقط و”ثورة 1936” التي شهدت أكبر إضراب في التاريخ، واستمر لستة أشهر متواصلة، كما شهد لجان تقصي حقائق، ومنها لجنة “كنج – كراين” الأمريكية، التي لم يؤخذ بتوصياتها، ومن ثم، ولما كانت بريطانيا على أعتاب الحرب العالمية الثانية، أصدرت الكتاب الأبيض لوقف مقاومة الشعب العربي في فلسطين لدولة الإنتداب البريطاني، التي صاغت قرار تقسيم فلسطين العام (1947) بعد إنشاء هيئة الأمم، المنظمة الدولية البديلة لعصبة الأمم،و التي بفضل قراراتها، صُنع الكيان العبري على أرض فلسطين، فأعطت الثمار لهيئة الأمم المتحدة، للإعلان عن قيام دولة الإحتلال، ونكبة الشعب الفلسطيني، بتشريده من أرض الآباء والأجداد، إلى الشتات في دول الجوار العربي  (الأردن، سوريا، لبنان، والعرق) فضلاً عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين.

هذا ما صنعته الدول المتقدمة، بتشريد الشعب العربي في فلسطين، خدمة لمصالحها، في إبقاء العرب بين مطرقة الفرقة، وسندان الإحتلال.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *