“الشروق” تطالع الذكرى الـ(29) للإنتفاضة الأولى

رام الله – تقرير محمـد الرنتيسي:                       

(8/12/1987).. تاريخ يحفظه “التاريخ” عن ظهر قلب، ويحفظه كل فلسطيني، كما أن الاحتلال من قادته، حتى آخر قاتل فيه، يحفظ هذا التاريخ المجيد.. إنه يوم “أول الحجارة” يوم الإنتفاضة المجيدة، فمع خروج الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.. إنفجر صبح الإنتفاضة الكبرى، فامتدت المتاريس على امتداد الأرض المحتلة، وارتفعت الأعلام وصور الشهداء، وانهمرت الحجارة والزجاجات الحارقة، من كل مكان، تضرب قوات الاحتلال، والهدف الشهادة أو النصر، فلا ثالث بين هذا وذاك، وفي ذلك اليوم المجيد، يوم انبلاج فجر الإنتفاضة، كان أربعة من العمال الفلسطينيين، يقفون على طرف الشارع، على طريق غزة عسقلان، فتقدمت شاحنة إحتلالية، وصدمتهم عمداً، وبهدف القتل، فاستشهد الأربعة، وكان أول الدم، في يوم أول الحجارة، وبدمهم، كان عهد الدم على الشهادة أو النصر.

قبل (29) عاماً، كان موعد البذار الفلسطيني قد هلّ، وأصبح ضرورة، فالأرض المحتلة المحروثة بعزيمة الأبطال، لا تعطي السنابل، قبل أن يذوب قمح الأرض تحت جفون حنانها، فكانت أول الدماء في جباليا، تفتح لأول الحجارة دربها في المواجهة، وكانت الانتفاضة الجبارة تتصاعد في تموّجها، وهي تعطي كل يوم، مزيداً من الألق الفلسطيني، فكانت ذروة سبع سنوات سمان، من العطاء والتضحيات، تجسد أول تكريس رسمي للأرض والشعب، بانسحاب جيش الاحتلال من مدن الضفة الغربية، على وقع حجارة الانتفاضة، التي تتزامن ذكراها اليوم، مع إنتفاضة ثالثة جديدة، تعبر آخر السنوات التي أرادها المحتل عجافاً، فحولها الشعب الفلسطيني إلى موسم حصاد آخر، اجتمعت فيه أرواح الشهداء، لتشهد عرسها الجديد، الذي صان العهد والوعد.. “الشروق” تُطالع الذكرى الـ(29) للإنتفاضة الأولى، من خلال المحطات التالية:

ما بين انتفاضتين:                                                                                        

في الوقت الذي يرى فيه كثيرون أن الأحداث الجارية الآن في الأراضي الفلسطينية، ما هي إلا هبة جماهيرية، أو مقدمة لانتفاضة، وفي أحيان أخرى، حالة انتفاضية، يؤكد الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الفلسطينية، في تصريح لـ”الشروق” أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية منذ نحو عامين، هو إنتفاضة حقيقية، لافتاً إلى أن الانتفاضة الأولى، هي الأخرى لم تبدأ بـ”كبسة زر” وإنما سبقها إرهاصات عديدة.

وفي حين يتفق نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قيس عبد الكريم، بأن العمل النضالي في المواجهة الحالية، أكثر فاعلية من العام (1987)، مع ضرورة المحافظة على طبيعة الانتفاضة الجماهيرية، ورفع وتيرة المقاومة ضد المستوطنين، يؤكد القيادي في حركة “فتح”، ورئيس نادي الأسير الفلسطيني، قدورة فارس، أن هناك ترابطاً وثيقاً ما بين الانتفاضتين.

ويقول فارس في حديثه لـ”الشروق”: أن ما اختلفت عنه انتفاضة اليوم، عن انتفاضة العام (1987)، يمكن ملاحظته في أن المواجهة في الانتفاضة الأولى، كانت مفتوحة في كل قرية ومخيم ومدينة، وفي كل شارع، وأمام كل بيت، أما في الانتفاضة الحالية، فإن نقاط الاحتكاك اليومية الجماهيرية، مع قوات الاحتلال، أصبحت معروفة ومحدودة، مؤكداً أنه بكل الأحوال، لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة الحالية، فهذا الفعل الجماهيري ما هو إلا رسالة وصلت، لكنها تحتاج إلى الكثير من الوقت والذكاء، للوصول بها إلى ذروتها، وتحويلها إلى نتائج حقيقية تستفيد منها الأجيال.

التفوق في الإرادة:

بعد عشرين عاماً على احتلال ما تبقى من أرض فلسطين في العام (1967) نهض الشعب الفلسطيني وبادر من جديد، ومن فوق تراب وطنه المحتل، بانتفاضة ثورية جديدة، مستوعباً لكل دروس التجارب النضالية السابقة وغيرها، عربياً وفلسطينياً، ومدركاً لكل ما أفرزته تجارب الصراع ضد “إسرائيل” من وقائع، وما كشفته من حقائق.

مسلّحة بهذا الوعي، تمكنت الانتفاضة الأولى، أو “الكبرى” كما يطلق عليها الفلسطينيون، منذ بدايتها، بما حددته من أهداف واضحة وبما أبدعته من أساليب نضالية لتحقيق هذه الأهداف، من تأكيد قدرتها على الاستمرار والنمو كحقيقة ثورية ميدانية، تستطيع فرض واقع جديد، على مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام.

كانت الانتفاضة واضحة في أساليبها النضالية، والتي استلهمتها من واقع شعبها وموقعه، ومما تسمح به إمكانيات هذا الشعب وطبيعة هذا الموقع، بعيداً عن تقليد أو محاكاة ثورات غيرها من الشعوب ومن دون مغالاة في الاعتماد على دعم خارجي يتحكم فيها، فالشعب كل الشعب هو أداة الانتفاضة، وتنظيماته طلائع له، وليست بديله عنه، والحجر هو سلاحها، وأمضى ما فيه يكمن فيما يرمز إليه من إصرار لا رجعة عنه في مقاومة الاحتلال، وتحت كل الظروف مهما كان الفارق، فالتاريخ يشهد أن التفوق في الارادة كفيل في النهاية بانتزاع النصر من التفوق في القوة.

ولا شك أن هذا الوضوح في الأهداف والأساليب كان من أهم الأسباب التي عبأت الشعب حول الانتفاضة، فدفعته ولا تزال، إلى تقديم أروع صور النضال، غير آبه بالتضحيات، كما جعلت من العام (1987)، عام الانتفاضة، فشغلت العالم وأثارت تعاطفه معها، وشدت العرب على طريق التضامن، وردت للقضية الفلسطينية مكانتها.

شرارة البداية:

بدأت الانتفاضة في مثل هذا اليوم، الثامن من كانون الأول من العام (1987) حينما كانت حافلات تقل عمالاً فلسطينيين، من أماكن عملهم في إسرائيل عائدة مساءً إلى قطاع غزة المحتل، وعلى وشك القيام بوقفتها اليومية المقيتة أمام الحاجز الإسرائيلي للتفتيش، حينما داهمتها مقطورة عسكرية إسرائيلية، ما أدى إلى استشهاد أربعة عمال وجرح سبعة آخرين من سكان مخيم جباليا في قطاع غزة، وعلى إثرها تجمع العشرات من المواطنين وبدأوا بإغلاق الشوارع بالمتاريس الحجرية ورشق قوات الاحتلال بالحجارة، وكان اندلاع الغضب من مخيم جباليا (مهد الإنتفاضة)، حيث كان نصيب المخيم في ذلك اليوم، أربعة شهداء.

وفي اليوم التالي للحادثة، تجددت المظاهرات والاشتباكات مع قوات الاحتلال حيث عمت مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، في أكبر تحد لسلطات الاحتلال واجراءاتها التعسفية والقمعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وقد واجه أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة رصاص قوات الاحتلال بصدورهم العارية، وأمطروا جنود الاحتلال الذين تمترسوا بسياراتهم المدرعة، بالحجارة والزجاجات الفارغة وقنابل المولوتوف، فيما رد هؤلاء بالرصاص على اختلاف أنواعه، ما أدى الى استشهاد وإصابة العديد من المواطنين برصاص جيش الاحتلال.

وفي قطاع غزة تحول الصدام بين الجماهير وقوات الاحتلال الى معركة حقيقية حيث كانت المدينة مغلقة تماماً، والطرق مسدودة بالمتاريس، وفي جميع المدارس والجامعات علقت الدراسة، والشوارع يملؤها الحطام، والدخان الأسود المنبعث من الإطارات المحترقة، ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء، وتعالت الهتافات المنددة بالاحتلال وقمعه وبطشه، وقد اعترف ناطق باسم جيش الاحتلال، واصفاً ذلك اليوم المتأجج قائلاً: ” إنه قنبلة مولوتوف ألقيت واشتعلت ولن تخمد”.

وتصاعدت الانتفاضة يوماً بعد يوم، حيث تصدى الشعب الفلسطيني بأكمله بجسده ودمه، لكل آلة القمع والوحشية الاسرائيلية، ويومياً سطرت الجماهير الفلسطينية آيات من المواجهة البطولية للمحتلين، وسقط الآلاف من الشهداء والجرحى من أبناء فلسطين، في أضخم انتفاضة جماهيرية عارمة شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ سنوات طويلة، بل شهدها العالم الحديث، وتحدث عنها التاريخ.

شمولية واستمرارية:

اتسمت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية العارمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ اندلاعها في الثامن من كانون الأول (1987)، بالشمولية والاستمرارية، وترسيخها لحقيقة بارزة مفادها، أن جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بدت أكثر من أي وقت مضى، موحدة في مواجهة الاحتلال.

لقد كان العمل النضالي الجماهيري قبل الانتفاضة، في طور التشكيل، لأنه بطابعه العام تضامني مع مسيرة الثورة في الخارج وامتداد جماهيري له، وفي نفس الوقت حمل في أحشائه بذور التجدد والتطور، وما ينسجم مع خصوصية الأرض المحتلة، ومن خلال العمل والمواجهة، حمل على مستوى الوعي، شمولية في التفكير وفقاً لحجم الفعل الاحتلالي، الذي طال كافة جوانب حياة السكان.

مكانة القضية:

أعادت الانتفاضة الأولوية الدولية للقضية الفلسطينية، وضرورة إيجاد حل لها، وأصبحت على رأس النزاعات الإقليمية في العالم، وأضافت عناوين جديدة إلى الملفات الدولية، وعلى رأسها، أن مسألة حقوق الإنسان تعني بالضرورة، حقه بكيان مستقل ووطن خال من قوات احتلالية، تصوب النار باتجاه أطفاله.

أما على الصعيد الفلسطيني فقد عبّرت الانتفاضة، عن فهم عميق لمتطلبات المرحلة النضالية، فامتنع آلاف العمال الفلسطينيين في المصانع الإسرائيلية من الذهاب إلى أعمالهم، ما ترك أثراً مباشراً على الاقتصاد الإسرائيلي، كما أن الدعوة إلى العصيان المدني والإضراب الشامل ومقاطعة البضائع والمنتجات الإسرائيلية، عبّرت عن أساليب فلسطينية جديدة في مسار النضال الوطني، لتحقيق الاستقلال، وذلك من خلال مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المتاحة، لجعل احتلاله مكلفاً من جميع النواحي، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى صعيد الرأي العام العالمي.

ظاهرة “المُلثّمين:

لقد طرحت الانتفاضة ومنذ لحظة تفجرها، أنها قامت لتحقيق هدف جلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي من أراضي فلسطين، وتمكين الشعب الفلسطيني من بناء دولته، وفق اختياره الحر للنظام الذي يريده فيها، وأن استمراريتها مرهونة بتحقيق هذا الشرط أولاً وقبل كل شيء.

وقد إتخذت جماهير الإنتفاضة أساليب شعبية نادرة في المقاومة، فعملت على توسيع المشاركة الفعالة في توزيع المنشور السياسي لمختلف الفصائل الفلسطينية، وكتابة الشعارات الوطنية على الجدران، والمظاهرات، والاعتصامات، والاضرابات، وإقامة الحواجز، ورمي الحجارة، وإحراق الاطارات، ونثر المسامير المعكوفة أمام السيارات العسكرية وسيارات المستوطنين لإعطابها، ورفع العلم الفلسطيني فوق أسطح المنازل وعلى أعمدة الكهرباء، ورفع صور الشهداء، وكانت الظاهرة الأبرز ظهور (الملثمين) أثناء تنفيذ بعض الفعاليات.

إنتفاضة الحجارة:

احتلت الانتفاضة مكانها في ثورات العالم الحديث باسم ثورة الحجارة، ولا يعقل أن يتصدى الحجر بأيدي الفتيان لسلاح جيش الاحتلال، الذي يحاصرهم بدباباته ومدافعه ونيرانه، فما الحجر بسلاح قاتل، ولا حامله بمقاتل مدرب، وعلى الرغم من ذلك، كان الحجر أكثر أسلحة الانتفاضة شهرة، وله رمزية وخصوصية، وكان أن تحول إلى أداة فعالة ضد جيش الاحتلال وآلياته، وكثيراً ما استعمل أيضاً لقذف دوريات الجيش وحافلات المستوطنين، كما استخدم أيضا لإقامة الحواجز وإغلاق الطرق، وبناء السواتر والمتاريس والكمائن.

واستخدمت الزجاجات الفارغة بعد تجهيزها بمواد أولية متفجرة ومشتعلة كأحد التقاليد الموروثة في الحرب الشعبية، حيث استعمل الشعب الفلسطيني الزجاجات الفارغة كأحد أسلحة المقاومة منذ وقت مبكر، ما مكنه من تطوير كيفية استخدام هذا السلاح من زجاجة فارغة إلى حارقة، ومن حارقة إلى متفجرة، فزجاجة حارقة ومتفجرة في آن معاً.

ومع حلول الذكرى الثامنة والعشرين للانتفاضة الأولى، فان الفلسطينيون، بمن فيهم قادة تلك الهبة الجماهيرية، يحنّون اليوم لخيار المقاومة الشعبية، والعودة لسلاح الحجر، الذي حقق ما عجزت عن تحقيقه الدبابات والطائرات، وما الانتفاضة الثالثة، الدائرة حالياً، إلا خير شاهد على ذلك.

إحصائية:

في إحصائيات خاصة بالانتفاضة الأولى من العام (1987 / 1988) إلى العام (1995)، الذي يتفق الجميع على أنه العام الأخير لتلك الانتفاضة، وبعد نحو (7) سنوات من المواجهة الشعبية المستمرة، ظهرت النتائج التالية: بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين (1711) شهيداً، وعدد الجرحى (28536) جريحاً، بينما بلغ عدد المعتقلين (97738) معتقلاً، والمبعدين (547) مبعداً، وهدمت سلطات الاحتلال (921) منزلاً.

وفي صفوف الاحتلال، بلغ عدد القتلى (146) قتيلاً، منهم (48) جندياً و(98) مستوطناً، فيما بلغ عدد الجرحى (1296) جريحاً، منهم (732) جندياً و(564) مستوطناً.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *