رئيس الوزراء الأسبق أحمد قريع “شخّص الداء ووضع الدواء” في حوار مع (الشروق): “فتح” بحاجة للتجديد.. والإتفاقيات مع إسرائيل”غير مناسبة”


حوار “أسرة الشروق”:

وجه أحمد قريع، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومسؤول ملف القدس فيها، رسائل هامة وواضحة، إلى القيادة الفلسطينية، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، مطالباً بقيادة حقيقية، تشمل اللجنة المركزية، والتنفيذية، والمجلسين المركزي والثوري، كي تشارك كافة هذه الهيئات، في صنع القرار السياسي، مشدداً على أنه بغير ذلك، سيكون هناك خلل واضح بالعمل الوطني، منتقداً تغييب “مسؤول ملف القدس” عن اجتماع إندونيسيا الأخير، الذي خُصص لبحث أوضاع القدس.

أحمد قريع “أبو علاء” المعروف بأنه شخصية سياسية رفيعة المستوى، يشغل حالياً إلى جانب المسؤولية عن ملف القدس، منصب أمين سر المجلس الإستشاري لحركة “فتح”، وهو من أوائل الملتحقين بالحركة منذ انطلاقتها العام (1965)، وكان رئيساً للدائرة الإقتصادية بالمنظمة في وقت سابق، غير أن المحطة الأهم والأبرز في مسيرته، أنه ترأس الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات أوسلو، وهو من وقّع الإتفاق بالأحرف الأولى، وكان انتُخب عضواً لأول مجلس تشريعي فلسطيني العام (1996)، ورئيساً له حتى العام (2003)، عندما انتقل لرئاسة مجلس الوزراء الفلسطيني، ورافق ذلك جدل حول بعض مواقفه حيال مختلف الأوضاع.

“أبو علاء” استجمع خبرته السياسية التي اختزلها، بعد هذا العمر المديد، إذ أنه على أبواب العقد الثامن، وكان صريحاً وواضحاً، في حواره مع (الشروق) فشدد على أن الأولوية حالياً لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وتعميق لغة التفاهم والحوار بين القوى والفعاليات الفلسطينية المختلفة، معتبراً منظمة التحرير بأنها “مُغيّبة” وتُستدعى في المناسبات!!.. بينما حركة “فتح” تحتاج للتجديد.. لكن الإعتراف الأخطر في تصريحاته أن هناك العديد من القرارات لـ”مركزي المنظمة”، و”ثوري الحركة”، لا يتم تنفيذها، لا سيما تلك المتعلقة بوقف التنسيق الأمني، وأن بعض قيادات المنظمة تسمع بالقرارات من خلال الإعلام فقط، وهذا برأيه “أمر معيب”.. كما أن القدس تُذبح، فيما مؤسساتها ومرجعياتها كالمؤتمر الشعبي ومكتب الرئيس ومحافظ القدس ودائرة شؤون القدس، جميعها لا تملك صلاحيات!!.

وفي الآونة الأخيرة، كثرت الإنتقادات لأداء السلطة الفلسطينية، لكننا لم نسمع تصريحات بهذه الدرجة من الوضوح والصراحة، كحال قريع، الذي وصف المشهد الفلسطيني بشفافية وصدق، فشخّص الداء، ووضع الدواء، وإن لم يقل كل ما يريد قوله بشكل مباشر، تاركاً الأمر للقيادة الفلسطينية كي تُصوّب الأوضاع، وهذا ما زاد من أهمية تصريحاته، الواردة في الحوار التالي:

– بات المشهد الفلسطيني كنفق مظلم، فهو مُعقّد ومُركّب، ولا بد من حلول قادرة على التعاطي مع المستجدات الفلسطينية والإقليمية، فما السبيل للخروج من بين هذه الأمواج المتلاطمة، والوصول إلى شاطىء الأمان؟.

(أجاب متسائلاً).. كيف لنا أن نخرج من هذا النفق، ونحن لا نتبادل الآراء؟.. فالقدس تُذبح، وتُهوّد، ويجب تعزيز صمود أهلها، وعدم تركها عُرضة للإختلاف في وجهات النظر، بين المرجعيات المختلفة، وفي الإجتماع الأخير في إندونيسيا، لبحث أوضاع القدس، لم يُشارك مسؤول ملف القدس بهذا الإجتماع!!.. فلماذا يُستبعد؟؟.. أمام ما تعانيه المدينة من تهويد وإستيطان، هناك مرجعيات أربع للقدس، ممثلة بالمؤتمر الشعبي، مكتب الرئيس، محافظ القدس، ودائرة شؤون القدس، لكنها جميعها بدون صلاحيات!!.. القدس تحتاج لمرجعية واحدة، فأهلها معرضون للتهجير والإقتلاع، واستبدال كل مواطن فلسطيني بمستوطن إسرائيلي، وهذا بحاجة لمعالجة سريعة.. وحركة فتح، التي قادت النضال الوطني الفلسطيني، تأثرت بغياب غالبية قياداتها التاريخية، فأصبحت بحاجة إلى عملية تجديد، كي تتمكن من مواكبة التطورات الجارية، وقيادة الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الأكثر صعوبة، ودون ذلك سينعكس الأمر سلباً على الوضع الحالي للحركة ومستقبلها، وعلى العمل الوطني بوجه عام، وبالتالي، فالأولوية هنا لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وتعميق لغة الحوار والتفاهم بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية.

– عندما تصدر المنظمة أو إحدى لجانها قراراً، ولا يُنفّذ.. ماذا يعني ذلك؟.

منظمة التحرير شبه مغيبة، وباتت تُدعى في المناسبات!!.. ولم يعُد هناك إجتماعات دورية، ومن غير المعقول أن يبقى الوضع هكذا، يجب أن تأخذ مؤسسات المنظمة دورها، لا أن تأخذ مجموعة صغيرة على عاتقها، إتخاذ القرارات، وتتحمّل وحدها مسؤولية القضية الفلسطينية، ومصير الشعب الفلسطيني، كما أن تحقيق المشروع الوطني، وطموحات الشعب الفلسطيني، يحتاج لقيادة شاملة، بما يشمل اللجنة المركزية، والمجلسين الثوري والإستشاري، واللجنة التنفيذية، يجب أن يشارك الجميع في صنع القرار وتحمّل المسؤولية، خصوصاً في هذا الظرف الدقيق والوضع الصعب، فلا بد من التشاور في مختلف القرارات والتوجهات، ودون ذلك، سيكون هناك خلل في العمل الوطني.. هناك بعض القيادات في المنظمة تسمع بالقرارات من الإعلام!! وهذا أمر معيب.. يجب أن تظل دوائر المنظمة في حالة اجتماع دائم، لتبادل الآراء، وسماع الأفكار، كي نتمكن من تجاوز هذا الوضع الصعب، والمرحلة الصعبة.

هناك قرارات مضى أكثر من عام دون تنفيذها، وهنا تفقد المؤسسة التي أصدرت تلك القرارات مصداقيتها، ولديّ أمثلة كثيرة في هذا الاتجاه، فقرار المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني، لم يُنفّذ، والمجلس الثوري اتخذ قراراً مماثلاً ولم يُنفّذ كذلك، وهناك مستجدات كثيرة تفرض نفسها، ما يتطلب أن يكون لدينا قيادة قادرة على التعامل معها.

– قيادات تسمع بالقرارات من الإعلام، ومؤسسات بدون صلاحيات، وقرارات بدون تنفيذ.. إذن نحن أمام وضع خطير؟.

هذا صحيح، وهو أحد أهم وأخطر أسباب التراجع السياسي وعدم القدرة على مواجهة التحديات، وإدارة الأمور بهذا الأسلوب لا يعطي نتيجة، يجب أن تُشرك كل من حولك بالرأي والنقاش، ومن ثم في صنع واتخاذ القرار، يجب أن تُوضّح للجميع ماذا تريد؟.. وما هي خطتك وبرنامجك؟.. وأن تعرف كيف تحشد الجميع حول قضيتك، وهذا يحتاج إلى عمل، المطلوب تحديد مرجعية واحدة، تُعطى الصلاحية وتخضع للمساءلة، كي يعمل الجميع تحت مظلتها، وأن يتم تحديد المسؤوليات، كي يُحاسب المقصّرون.

– هذه الصرخة يجب أن تكون في آذان من يعنيهم الأمر.. لكن هل يكفي النقد دون العمل للتغيير ووقف الأخطاء؟

أريد أن أقول لك شيئاً، هل تقف أميركا معنا بجدية لحل قضيتنا؟.. وهل تعطينا إسرائيل شيئاً؟.. المواقف الأوروبية لا يُعوّل عليها، والعرب منشغلون بقضاياهم الداخلية، وبالتالي لا بد لنا من قيادة تحقق طموحات أبناء شعبنا، في الحرية والإستقلال، وإنهاء الإحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

– وهل هذا ممكن في ظل الإنقسام وعدم تحقيق المصالحة؟.

هناك حواراً مع حركة “حماس” لكن هذا غير كافٍ، والمطلوب أن يشمل هذا الحوار كافة الفعاليات والقيادات الوطنية الفلسطينية، للخروج من هذا النفق المُعتم، ولو أردنا أن نعمل بالشكل المطلوب في هذا الإتجاه، لكانت إجتماعاتنا يومية، وفي كافة المجالس، وهذا لا يحصل مع الأسف.

– كرئيس لدائرة شؤون القدس.. كيف تصف الوضع القائم في المدينة المقدسة؟.

هناك عملية تهويد واقتلاع محمومة، وإسرائيل تمارس سياسة الإحلال، كما أن نسبة كبيرة من أهل القدس أصبحوا خلف الجدار العنصري، وإزاء هذا الوضع، نحتاج لخطة للنهوض بواقع القدس، رغم كل المعيقات الإسرائيلية، إسرائيل ترى في الجدار العنصري حدوداً لمدينة القدس، ونحن نرى أن حدود المدينة هي تلك التي حدّدتها الشرعية الدولية، وليس ما حدده المستوطنون، الذين نرفض الإعتراف بشرعية وجودهم في أرضنا، الأمر الذي ترفضه حتى أميركا وأوروبا، وحتى ما يطلقون عليه “الحوض المقدس” فهذا باطل وغير شرعي وغير مقبول، ويرفضه المواطن والمسؤول.. بالتالي المطلوب دعم صمود المدينة، وحماية مؤسساتها، وتعزيز متطلبات صمود أهلها، لكن السلطة غير قادرة على تلبية تلك المتطلبات، لأنها لا تمتلك الإمكانيات المالية اللازمة لحمايتها.

– إعادة تقييم العلاقات مع إسرائيل ملف دائم على طاولة القيادة الفلسطينية.. هل من جديد بهذا الخصوص؟.

إسرائيل تموضعت في المنطقة، وتسعى دائماً للهيمنة والسيطرة على الأرض الفلسطينية، وفي المقابل ماذا بنا أن نفعل؟.. نحن هنا لا نهدد بإلغاء الإتفاقيات الموقعة معها، وإن كانت هذه الإتفاقيات تبدو غير مناسبة الآن، وبعد هذا الوقت من التنصّل وعدم الإلتزام من الجانب الإسرائيلي، علينا أن نبحث عن البديل في هذه المرحلة.

إذا استعدنا وحدتنا الوطنية، نستطيع المواجهة والصمود، فإسرائيل عندما ترانا مُوحّدين ومتماسكين، ترانا أقوياء، وستحسب لنا ألف حساب، أما إذا استمر انقسامنا، فستواصل قتل شبابنا، وهدم بيوتنا، وإبعاد مواطنينا، وسرقة أراضينا.. بالتالي قضيتنا الأساسية، وأولوياتنا، في ترتيب بيتنا الداخلي.

– كرئيس سابق للحكومة.. كيف تقييم الموقف الحالي على صعيد العلاقات العربية؟.

الظروف الآن مختلفة عن السابق، فالعلاقات الفلسطينية العربية كانت أفضل، وكذلك الحال بالنسبة للإمكانيات، وحتى الظروف الدولية والإقليمية، كانت أكثر راحة، غالبية الدول العربية الآن باتت مشغولة بقضاياها الداخلية، كل شيء كان أفضل من اليوم.

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *