السكاكين تصيب «بطن إسرائيل الرخو»

بقلم أليكس فيشمان (عن يديعوت):

نجحت السكاكين الـ 28 التي طعنت الإسرائيليين منذ 4 تشرين الأول في الكشف عن الحقيقة المؤلمة أمام الأجهزة الأمنية: “البطن الرخو” لدولة إسرائيل، الجبهة الداخلية، قابلة للإصابة أكثر مما اعتقدنا.

لا يدور الحديث فقط عن الخوف الذي تسببت به السكاكين لشعب كامل وتأثير هذا على مجريات الحياة والمعنويات الوطنية.

حظي غياب الأمن الشخصي بالعناوين، لكن تحت الرادار الإعلامي كان رؤساء الأجهزة الأمنية خائفين من انكشاف نقاط الضعف في الاستعدادية الوطنية للجبهة الداخلية، مثلاً الإمكانية الواقعية بأن يتم إغلاق طرق رئيسة في الدولة من قبل مُخلين مُحرضين، وبالنسبة للجيش هذا الدرس لا يقل خطورة وأهمية عن دروس مواجهة “الذئب المنفرد” والتهيئة لإمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة.

إغلاق طرق داخل دولة اسرائيل، إضافة إلى التشويش على جاهزية الجيش، وإلحاق الضرر بتجنيد الاحتياط والبنى الاستراتيجية، كل هذه الأمور تم أخذها في الاعتبار في السابق، لكن في سياق الأعمال “الإرهابية” المنظمة أو إطلاق الصواريخ من الجانب الثاني للحدود إمكانية أن يقوم مواطنون إسرائيليون مُحرضون بإلحاق الضرر بالجهد الأمني أثناء الحرب تم استبعادها إلى هامش الوعي.

وفي التدريبات العسكرية الأخيرة التي تمت قبل بضعة أسابيع وتطرقت إلى إغلاق الشوارع، تم التعاطي مع هذا السيناريو بشكل بسيط.
الآن، بعد أن وصلت موجة “الإرهاب” الحالية إلى داخل الخط الأخضر، يجب إيجاد خطط تنفيذية من اجل تقوية قدرات الجبهة الداخلية كي تستطيع، إلى جانب الشرطة، قمع أي تشويش كهذا.

هذا التهديد لم يولد في الشهر الأخير، فأثناء عملية “الجرف الصامد” تم إغلاق شارع 6 لفترة قصيرة بسبب مظاهرات العرب الإسرائيليين.
وفي “عمود السحاب” عندما جند الجيش عددا كبيرا من جنود الاحتياط ونقل السلاح الثقيل من الشمال إلى الحدود في غزة، اختار تجاوز شوارع معينة. في انتفاضة الشباب الحالية عاد هذا الموضوع وظهر بخطورته.

الشباب العرب الإسرائيليون قاموا بإغلاق الشوارع، وتصادموا مع الشرطة. وفي حالات الطوارئ، حيث يفترض أن يتم نقل وسائل عسكرية ثقيلة بسرعة إلى منطقة الشمال أو إلى غزة، ستعلق ساعات طويلة في الشوارع بسبب إغلاقها من المواطنين، وهذه مشكلة استراتيجية، وإذا علق مواطنون تم إخلاؤهم من الجبهة في الشوارع بسبب تلك الإغلاقات، فإن هذه المشكلة هي مشكلة وطنية موضوعة أمام رئيس الأركان.
في الشهر القادم ستقيم هيئة الأركان دورة تلخيصية تتعلق بالأمور الأساسية في مبنى القوة العسكرية، ومن المعقول جدا الافتراض أن موضوع غياب السيطرة على المواطنين الإسرائيليين أثناء حالة الطوارئ سيُطرح هناك، وسيكون على قيادة الجبهة الداخلية إعطاء الإجابات.

العمى الإستخباري:

بعد أسبوعين على اندلاع الموجة “الإرهابية”، ما زالت الصورة غير واضحة، والأجهزة الأمنية لا تعرف كيف تسمي هذه الموجة الحالية، فهي لا تشبه الانتفاضة الأولى أو الثانية، لهذا لم تتم تسميتها بعد.

مصدر رفيع المستوى يعتقد أنه إذا لم يدخل عنصر جديد إلى المعادلة في الأيام القادمة، مثل عملية كبيرة أو خطأ إسرائيلي ضد الفلسطينيين، فإن تراجع العنف سيستمر، لكن هذا شيء تكتيكي ومؤقت ومن شأنه أن يتغير خلال يوم أو شهر أو نصف عام، حتى وإن تراجع العنف فإن المسألة مسألة وقت إلى أن تندلع الأحداث القادمة.. كم من الوقت؟ المجربون والخبراء لا يتجرؤون على التنبؤ.

الاحداث الحالية، كما قال مصدر عسكري رفيع المستوى، لها كوابح: في غزة “حماس” تكبح وفي “يهودا” و”السامرة” تقوم بذلك السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، حيث إن “التنظيم” لا يشجع العنف، وهم لا يقومون بذلك لأسباب سياسية.

“حماس” والسلطة والحركة الإسلامية في اسرائيل يريدون تأجيج الوضع، لكن ليس في مناطقهم لأنهم غير مستعدين لدفع ثمن فقدان السيطرة على جمهورهم، لهذا من المريح لهم أن يتركز العنف في القدس وحول موضوع الحرم.
خطاب الأمة الذي ألقاه أبو مازن، قبل أيام، يعكس التناقض بين موقفه الداعي إلى العنف وبين ضعفه وضعف سلطته.

“حماس” من ناحيتها بدأت منذ الأربعاء الماضي العمل على إبعاد المتظاهرين عن الشريط الحدودي في غزة قبل أن تفقد السيطرة عليهم.
جهاز الحفاظ على الحدود المسؤول عن حماية الشريط الحدودي مع اسرائيل الذي اختفى، عاد إلى المكان وأعاد المتظاهرين إلى داخل القطاع.

“حماس” وأبو مازن يتعرضون في الآونة الأخيرة للضغط من المصريين والأردنيين لوقف التدهور، وقد كان للقيادة الإسرائيلية دور كبير في هذا الأمر.
في المقابل توجد لإسرائيل قنوات اتصال مستقلة مع “حماس” بوساطة القطريين وغيرهم، ونقاش التهدئة يدور في هذه القنوات أيضا.
تصعب معرفة إذا كان هذا الكبح سيعمل لفترة طويلة، لكن هناك شيئا واضحا: في الاتفاقية بين المواطن والدولة، لم تف الدولة بالتزاماتها.

كل مواطن يتوقع أن يخرج إلى الشارع دون خوف، وهذا لم يحدث؛ لأن دولة اسرائيل لا تريد أن تواجه فعليا أسباب موجة العنف الحالية، ولا تستطيع تقدير الاتجاهات وإعطاء جدول زمني، والحل الذي لديها هو حل القوة بجميع الوسائل التي تملكها.
حينما يقرر شخص أو مجموعة فعل شيء دون تحضيرات سابقة، لوجستية أو غطاء من تنظيم “إرهاب” ممأسس، فالاستخبارات لا تملك الأفضلية.

في هذه الحالة الطريقة الوحيدة لمنع “الإرهابيين” من الوصول إلى موقع العملية هي الفصل الفيزيائي والجغرافي، وقد قرر الكابينت في هذا الأسبوع وضع الحواجز في الأحياء في القدس وفحص من يدخل إليها ويخرج منها مع إمكانية منع الدخول أو الخروج بشكل كامل.
لا تعرف الشرطة كيفية الإغلاق والحصار، ومن اجل الحصار الناجع على منطقة معينة هناك حاجة إلى معلومات تكتيكية: مشاهدات من الجو والأرض، ملف معلوماتي يشمل المباني والشوارع الرئيسة والنقاط الاستراتيجية وما أشبه.

ومن اجل جعل عمل الشرطة أكثر فاعلية فقد تبرع الجيش بوحدات لجمع المعلومات تشمل المراقبين والطائرات دون طيار وغيرها، هذا الأمر أنشأ إشكالية حيث أن قوات الجيش الإسرائيلي تجمع المعلومات عن الذين يحملون بطاقات الهوية الزرقاء، والجيش يساهم أيضا، إضافة إلى “الشباك”، في موضوع معالجة الشبكات الاجتماعية، إلا أنه محظور على الجيش فعل ذلك أمام المواطنين دون الإعلان عن حالة الطوارئ.

أصدر وزير الدفاع توجيهاته للقيام بجهود كبيرة لمنع انتشار الأحداث من القدس إلى الضفة الغربية وغزة، وفي إطار هذه السياسة قدمت قيادة المنطقة الوسطى ومنسق العمليات في “المناطق” موقفا واضحا يقضي بعدم فرض الحصار على الضفة الغربية، وعدم تقييد خروج العمال الفلسطينيين للعمل، سواء في اسرائيل أو في المناطق الصناعية المشتركة، رغم طلب وزراء في الكابينت فرض الحصار على المناطق، حيث تم تبني موقف الأجهزة الأمنية بشكل كامل.
سياسة وزير الدفاع فرضت أيضا الرد على اقتحام الحدود في غزة: طالما أن هذا الاقتحام لا يُعرض غلاف غزة للخطر، فإن إطلاق النار يتم على الأرجل، وقد أصيب العشرات في غزة بأرجلهم.

حتى الآن، سياسة الفصل بين القدس وبين باقي “المناطق”، تؤتي ثمارها، حيث لم ينضم سكان غزة والضفة الغربية إلى التظاهرات بشكل واسع.
كانت في غزة إخلالات بالقرب من الحدود لكن لم يتم إطلاق الصواريخ على اسرائيل، والمظاهرات في الضفة موضعية، وفي بعض الحالات وقفت أجهزة السلطة الأمنية بين المتظاهرين وبين الجيش الإسرائيلي.
ظاهرة اختراق الحدود الخطيرة في غزة تم نقاشها بشكل منفصل، وفي أعقاب الأحداث الأخيرة قرر الجيش إقامة جدار جديد بطول 65 كم، يشبه الجدار الذي أقيم في الحدود المصرية، وهذا الجدار سيشمل وسائل الكشف عن الأنفاق.

30 منزلاً مُعرضة للهدم:
يتبين أن الهدف الإسرائيلي ليس فقط محاصرة الأحياء في القدس الشرقية، بل فرض النظام فيها أيضا، وعندما قرر الكابينت وضع 20 وحدة لحرس الحدود في القدس، كانت الفكرة أن تكون هذه القوة الكبيرة جاهزة للدخول إلى تلك المناطق في شرق المدينة التي غاب فيها النظام.
قلنديا مثلاً هي منطقة لا تهتم بها السلطة الفلسطينية لأنها تابعة للقدس، وبلدية القدس لا تجرؤ على الدخول إلى هناك، والشرطة أيضا لا تدخل إلى هناك. قصد الكابينت هو أن تقوم بلدية القدس، بمساعدة حرس الحدود، بالدخول إلى هذه المناطق لجباية الضرائب وهدم المنازل غير المرخصة والاهتمام بالبنى التحتية.

هذا الموقف صحيح: المكان الذي فيه فراغ سلطوي تحدث فيه الفوضى ويخرج منه “الإرهابيون”، لكن من المشكوك فيه أن أحدا ينوي الدخول إلى هذه المناطق بشكل جدي، والتي تم إهمالها لسنوات تحت شعار توحيد المدينة.
بعض الأعمال المطلوبة داخل الأحياء تستوجب الإعلان عن منع التجول الليلي، وهذا الأمر يحتاج إلى تقنيات حربية وأدوات لا توجد في حوزة الشرطة والى أعداد كبيرة من القوة البشرية لفترة طويلة.

اثناء الانتفاضة الثانية حينما فرض الجيش منع التجول والحصار مرات عديدة اضطر إلى تجنيد قوات الاحتياط، فهل تستطيع الشرطة القيام بمهمات كهذه في مناطق معادية ومكتظة بالسكان؟ هذا أمر مشكوك فيه.
لو كانت الحكومة جادة في كل ما يتعلق بالاهتمام بهذه الأحياء لكانت أعلنت حالة الطوارئ وألقت هذه المهمة على الجيش.

في الوقت الحالي تقرر أن جنود مدرسة الضباط سيرافقون الشرطة، الأمر الذي سيُمكن الشرطة من توفير قوة بشرية في مناطق الاحتكاك مع السكان العرب في المدينة.
إلى جانب الفصل الفيزيائي والاهتمام بالفراغ السيادي، اتخذ الكابينت عدداً من القرارات لردع “المخرب” المحتمل.
الخطوة الأولى هي هدم منازل “المخربين”، وتوجد لدى الشرطة قائمة لـ 30 منزلا سكن فيها “المخربون”، الذين قاموا بالطعن في الآونة الأخيرة، وكذلك منازل عدد من “الإرهابيين” من الماضي القريب.

“المخرب” الذي كان يقف من وراء العملية في “الدولفيناريوم” في 1 حزيران 2001، سكن مع عائلته في مبنى مكون من أربعة طوابق تعيش فيه 8 عائلات، وحينما دخل الجيش الإسرائيلي إلى قلقيلية في عملية “السور الواقي” قام بهدم المنزل.
وبعد عملية “السور الواقي” وعلى مدى اشهر طويلة قامت “قوات الأمن” وبشكل يومي بتفجير عشرات منازل “الإرهابيين” – “المخربين الانتحاريين” ومن يرسلهم.

كان لهذا الأمر تأثير كبير، حيث رفض الناس تأجير الشقق السكنية لنشطاء “الإرهاب”، إضافة إلى هدم المنازل تمت مصادرة الأموال التي أرسلت للعائلات لإعادة بناء ما تم هدمه.
تخضع حكومة اسرائيل في الوقت الحالي لامتحان: هل ستقوم بالفعل بهدم منازل “المخربين”؟ ليس منزلا واحدا كل شهر بل عشرات المنازل في اليوم؟ إن أغلبية المباني التي تنتظر الهدم توجد داخل اسرائيل وتسري عليها قوانين مختلفة.

يضاف إلى ذلك أنه تم إنشاء لجنة عسكرية برئاسة الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند، وقد أبلغت اللجنة محكمة العدل العليا أن هدم المنازل هو أمر غير ناجع. كيف يمكن الآن إقناع المحكمة بأنها كانت مخطئة؟

إذا كانت قرارات الكابينت قد تم اتخاذها لاعتبارات داخلية من اجل تهدئة الجمهور، وستختفي خلال فترة قصيرة، نفحن في مشكلة، إن ظهور أي ضعف وعدم التصميم هما استدعاء للمواجهة القادمة.

قنبلة موقوتة:
كشف كل من “الشاباك” والشرطة، مثل الجيش، عن نقاط ضعف في مجال الأمن الداخلي، حيث هناك خطر الفوضى والعنف في الأوساط المختلفة في الجمهور الإسرائيلي.
الجميع يهتمون بالتحريض في الشبكات الاجتماعية التي أغرقت سكان “المناطق” وشرقي القدس. لكن الجهات التي تتابع الشبكات الاجتماعية في اسرائيل كانت متفاجئة من حجم التحريض والكراهية باللغة العبرية.
التحريض في الوسط اليهودي وجد تعبيره في مظاهرات المتطرفين في المدن، وفي الاعتداء على العرب.

بعد قتل الزوجين هنكن نفذ اليهود أكثر من 160 اعتداء عنيفاً ضد الفلسطينيين في “المناطق”– بدءاً بالحاق الضرر بالممتلكات وإحراق المزروعات مرورا بالدخول إلى “المناطق” الفلسطينية وانتهاء برشق الحجارة على السيارات وإخراج المسافرين منها والاعتداء عليهم. وقد اتسعت دائرة المشاركين في ذلك ولم تقتصر على شبيبة التلال أو “تدفيع الثمن”.

عشية العيد بدأ تراجع الأعمال اليهودية المعادية في الضفة، وانتقل الغضب الى داخل الخط الأخضر، ومن خلال الشبكات الاجتماعية خرجت مجموعات على أساس كراهية العرب والأغيار، وهنا نشأ التواصل بين الكهانيين في الخليل وشباب هامشيين من القدس، لم تكن بينهم صلة في الماضي، بدؤوا ينسقون فيما بينهم عمليات الاعتداء على العرب.
التحريض ليس ضد العرب فقط، بل ضد ضباط في الشرطة وموظفي النيابة العامة وأعضاء كنيست ووزراء، وأيضا ضد رئيس الحكومة.

إن التحريض الإسرائيلي في الشبكات الاجتماعية تضاعف منذ بداية السنة قياسا بالعام 2014، ونجاح “الشاباك” في الكشف عن المتمردين الذين يؤيدون مئير ايتنغر، أدى إلى إفشال محاولات قيام اليهود بالعمليات، لكن موجة الكراهية في الشبكات الاجتماعية وعمل تلك المجموعات في المدن الكبرى وداخل الخط الأخضر، كان وما زال قنبلة موقوتة في المجتمع الإسرائيلي.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *