خلال حقلة نقاش لـ”مسارات” تحت عنوان: “ما العمل”؟.. الدعوة إلى دولة ديمقراطية واحدة وبناء حركة وطنية جديدة

البيرة – الشروق:

قال صابر عارف، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، إن الهدف الإستراتيجي الأسمى للنضال الوطني هو إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة لكافة المواطنين، من عرب ويهود، في ظل نظام ديمقراطي عصري وحديث، ترعاه وتشرف على إقامته الأمم المتحدة. مبينًا أن تحديد الهدف الإستراتيجي لا يتطلب موافقة العدو عليه، بل يتحدد انطلاقا من حقائق التاريخ والجغرافيا والحلم الذي يجسد ويعبر عن مرحلة التطور التي يمر بها المجتمع.

وشدد على أهمية إطلاق عملية تغيير شاملة من خلال بناء حركة وطنية جديدة وليس عبر الإصلاح والترميم، أو حتى إعادة البناء، وقال: لا بد من دفن السياسة والنظام اللذين ماتا وشبعا موتًا، فإكرام الميت دفنه، ومن ثم نتفرغ للبناء والإعمار من جديد في بيئة نقية ونظيفة. وأضاف: قد لا يكون هذا الزمن هو زمن البناء من جديد لعدم نضج وتوفر العامل الذاتي للمؤمنين بالجديد، ولكنه بكل تأكيد زمن الإعداد والتحضير الجدي للثورة الجديدة القادمة؛ زمن الإعداد والتحضير لتحديد مقومات النظام السياسي الفلسطيني الجديد وأهدافه وقيمه وإستراتيجيته وعناصره، وأشكال ووسائل نضاله المتنوعة في الظروف المناسبة، وليس بالضرورة أن يكون التغيير والتجديد في زمن الازدهار والرخاء.

جاء ذلك خلال حلقة النقاش العاشرة والأخيرة ضمن سلسلة الحلقات التي نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) تحت عنوان “ما العمل؟”، في مقريه في البيرة وغزة، عبر “الفيديو كونفرنس”، بحضور عشرات من الشخصيات السياسية والأكاديمية والنشطاء. وقد أدار الحوار في البيرة هاني المصري، مدير عام مركز مسارت، فيما أداره في غزة صلاح عبد العاطي، مدير المكتب هناك.

وقال المصري: إن هذه الحلقة هي الأخيرة من هذا البرنامج التي استمعنا فيه إلى وجهات نظر مختلفة للإجابة عن سؤال “ما العمل؟”، وسيصار إلى عقد جلسات بؤرية لمناقشة ما طرح في مجمل الحلقات، على أمل الخروج بتصور مشترك يحدد القواسم المشتركة، وينظم الخلافات والتعددية والتنوع والمنافسة في إطار الوحدة التي تفرضها مرحلة التحرر الوطني التي تمر بها القضية الفلسطينية.

وقدم عارف عرضًا لورقة أعدها وتتضمن دعوة لتبني فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة، التي تقوم على مجموعة من الأسس الجديدة، ومنها أن تقام الدولة على أرض فلسطين التي تشكل جنوب بلاد الشام بحدودها التاريخية الطبيعية، بينما ترعى الأمم المتحدة قيام هذه الدولة التي اقترح تسميتها “دولة الديار المقدسة الديمقراطية” وفق المواثيق والاتفاقيات الدولية وتساهم في صياغة أسسها وقوانينها، ويحق لكل فلسطيني ولكل يهودي أن يكون مواطنًا في الدولة شرط الالتزام بقوانينها وأنظمتها، ويتساوى كافة المواطنين في الحقوق والواجبات. كما ينطلق قانون الدولة من قيم الديمقراطية العالمية ومن مبادئ حقوق الإنسان، إضافة إلى أنه سيوفر نظامًا انتخابيًا ديمقراطيًا يسمح بالتعددية وبتداول السلطة سلميًا بين مختلف الاتجاهات والتيارات.

وبين عارف أن هذه الدولة ستعمل على إنهاء الصراع، وتحفظ لكل طرف ما هو إيجابي من خلفياته ومعتقداته التاريخية والثقافية، وستحقق حلًا عادلًا ونهائيًا لقضية اللاجئين من كلا الطرفين ولقضايا الحل النهائي، إضافة إلى أنها ستحقق حلًا لأزمة الشرق الأوسط برمته، وسيكون من الطبيعي لدولة ديمقراطية مسالمة وغير عدوانية أن تنصهر في محيطها الإقليمي. كما سيساهم قيام هذه الدولة في إنهاء بؤر التوتر والصراع في العالم كله، بما في ذلك ما يسمى بالحرب على الإرهاب.

وأشار إلى أن هذا الطرح قد يبدو غير واقعي وغير قابل للتنفيذ في ظل الثقافة السائدة والشعارات المتطرفة في كل اتجاه، وقد يبدو مستحيلا الآن في ظل الأحقاد والكراهية المزروعة في كل مكان، ولكن فشل برامج شطب وإلغاء وإنهاء كل طرف للآخر من الوجود ومن الخارطة الجغرافية والسياسية ووصولها إلى طريق مسدود، وكذلك فشل كافة الحلول والتسويات السابقة، سيفتح الباب أمام الحلول والخيارات الأخرى، وسيدفع أنصار السلام من كلا الطرفين إلى البحث عن هذا البديل الإستراتيجي.

وأوضح أن البرنامج السياسي يشتق من الإستراتيجية، ويحدد أشكال وطرق الوصول إلى تحقيق الأهداف والغايات في كل مرحلة من مراحل النضال. ورأى أن هذا البرنامج يجب أن يتضمن إعادة بناء وتربية المواطن الفلسطيني من جديد، لتعزيز روح المقاومة والتحدي والثبات على الأرض، ويعيد الأمور إلى نصابها، على أن تكون مسألة علاقات المواطنة الفلسطينية اليهودية ركنًا أساسيًا في هذا البرنامج، إضافة إلى إعادة الاعتبار لدور ونضال فلسطينيي 48 والشتات. كما يتضمن البرنامج استخدام كافة وسائل وأساليب وأشكال النضال المشروعة للعرب واليهود الوطنيين والتقدميين لتفكيك مؤسسات ومرتكزات الحركة الصهيونية العنصرية الرجعية.

ويتطلع عارف إلى نظام سياسي يحقق ويعمق الانتماء الوطني، ويضمن المشاركة الشعبية الحقيقية الفاعلة في النضال الوطني والعمل العام، وآليات متطورة وشفافة لمشاركة فلسطينيي الخارج في انتخاب قيادتهم، ويحقق استقطاب الكفاءات الفلسطينية واليهودية في كافة المجالات، ويضمن الديمقراطية الحقيقية بالحفاظ على دورية الانتخابات ونزاهتها الفعلية، ويفتح الطريق واسعًا أمام الجديد والتجديد، وليس مثل النظام الحالي القائم على المحاصصة الفصائلية والأبوية والفساد والتضخم ويفتقد لدورية الانتخابات.

وطالب بتوفير متطلبات أساسية للنجاح في فرض الجديد، تبدأ بالإعداد الجيد والمسبق لأدبيات وفكر وثقافة الحركة الوطنية الجديدة، بما يشمل توفير الأجواء الحرة والمناخات الديمقراطية لكل مؤمن بالجديد ليعبر عن رأيه بكل حرية وشفافية، إضافة إلى حوار ينطلق من أن فلسطين هي جنوب بلاد الشام، ويأخذ بعين الاعتبار الدروس والعبر من التجارب السابقة ويعتمد على الذات، دون تمويل من أحد، ويهدف إلى التوافق على تشكيل أمانة سر لإدارة الحوار، وإعداد وصياغة ما تم الاتفاق عليه من هدف إستراتيجي وبرنامج سياسي ونظام أساسي، إضافة إلى تشكيل هيئة وطنية من كبار وحكماء فلسطين “للحوار مع قيادة الأمر الواقع بهدف دفعهم لتقديم استقالاتهم للشعب الفلسطيني، والعودة لبيوتهم معززين مكرمين، بعد أن يودعوا أموال وممتلكات الشعب الفلسطيني لدى جامعة الدول العربية إلى حين انتخاب قيادة فلسطينية جديدة”، وكذلك ممارسة جميع أشكال الضغط الجماهيري والديمقراطي لتحقيق ذلك، والدعوة لعقد مؤتمر تأسيسي لمناقشة وإقرار الوثائق وانتخاب قيادة فلسطينية جديدة.

وتباينت آراء الحضور إزاء ما تضمنته الورقة التي قدمها عارف، فمنهم من أيد الدعوة إلى عملية تغيير تشمل النظام السياسي والإستراتيجية الوطنية والبرنامج السياسي، انطلاقا من فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة، وإن كان هذا الحل – وفق ما طرحه عارف – لا يزال يفتقد للأدوات المناسبة لتحقيقه، وهناك من رأى أن موضوع الدولة الواحدة والبرنامج المطروح في الورقة يفتقران إلى الواقعية، لا سيما أن طرح الدولة الواحدة لا يحظى بشعبية في استطلاعات الرأي، كما أن الدول الاستعمارية لن تسمح بتغيير شكل دولة الاحتلال.

وانتقد بعض الحضور إهمال الورقة لأهمية إنهاء الانقسام، الذي يعتبر إنهاؤه المدخل لإعادة بناء النظام السياسي والتوافق على المشروع الوطني وأهدافه وإستراتيجيات العمل الوطني خلال المرحلة القادمة. كما أبدى البعض استغرابه لبعض الأفكار في الورقة، وبخاصة التمييز بين “اليهود العبرانيين” القادمين عبر النهر، وبين اليهود الذي قدموا إلى فلسطين من البحر، فكلاهما جزء من النظام الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري.

وأشار البعض إلى أن التغيير لا يكون في حالة الضعف والهوان، بل في حالات القوة، فلا بد من تغيير موازين القوى لصالح الفلسطينيين حتى يتمكنوا من هزيمة المشروع الصهيوني، ومن ثم تبني الحل المناسب.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *