(47) على جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك.. نيران الحقد لا زالت تلفح القبلة الأولى

رام الله – تقرير محمـد الرنتيسي:

(47) عاماً مضت على جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك، في الحادي والعشرين من آب العام (1969)، على يد الصهيوني “دينيس مايكل”.. لكن ألسنة اللهب لم تخمد بعد.. فلا زالت نيران الحقد تلفح القبلة الأولى للمسلمين، فيما جرائم المحتلين لا تتوقف، بل إن سياسة الحرق أصبحت مشهداً مألوفاً في اعتداءاتهم، وباتت نيرانهم تطال “الأنفس والثمرات” ولا تُبقي بشراً ولا حجراً ولا شجراً.. فلا تكاد النيران تنطفيء في مسجد هنا، حتى تشتعل في بيت هناك، وهذا يؤشر بوضوح على انتهاج أسلوب الحرق لدى تلك العصابات المنفلتة، والتي يقف وراءها ويبارك أعمالها جيش الاحتلال الأشر، وحكومته اليمينية المتطرفة.

والمسجد الأقصى المبارك، هو رمز عقيدة المسلمين، حيث بناه الأنبياء، وانتسب إليه العلماء، وسكنه وشدّ الرحال إليه كثير من الأولياء، وسقطت على أرضه قوافل الشهداء تترى.. وهو عقر دار الإسلام في نهاية الزمان، وأهله مرابطون الى يوم الدين، وعلى أرضه وفي أكنافه تعيش الطائفة الظاهرة المنصورة.. فلا غرابة إذن في أن تهفو قلوب المسلمين على أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، لكن الأهم من ذلك، أن تهبّ جموعهم على قلب رجل واحد لحمايته من الهدم والحرق والتدمير، والتصدي لجماعات “الهيكل المزعوم”، التي تعتنق الخرافات التوراتية، ببناء الهيكل مكان المسجد الأقصى المبارك، وتقوم بشكل شبه يومي باقتحام باحات المسجد وأبوابه، بمشاركة صريحة وسافرة من وزراء حكومة الاحتلال، وبحماية ضخمة من قوات الجيش، حيث يتصدى لهم المرابطون في القدس رجالاً ونساءاً، بعد أن وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه، أمام موجة العدوان العنصرية الإسرائيلية المكشوفة، التي لا يسترها شيء، بل يحكمها ويسيطر عليها الحقد والكراهية، والعربدة وجنون الخرافة.

وكما هو معلوم للجميع، فإن جماعات الهيكل المزعوم لم تنفذ جرائمها واقتحاماتها وممارساتها الإرهابية تجاه الأقصى المبارك، بشكل سرّي، بل إنها تستعد منذ شهور، لإحياء ما يسمى “ذكرى خراب الهيكل” وتدعو للحشد علناً، تناصرهم في ذلك حكومتهم المتطرفة، بقيادة نتنياهو “الراعي الرسمي” لإرهاب المستوطنين، بكل أجهزته العسكرية والأمنية، مستغلاً انشغال الأمة العربية والإسلامية بمشكلاتها المأساوية.

اليوم، وفي الذكرى الـ(47) لإحراق المسجد الأقصى المبارك، فإن المقدسيون الأبطال، بنسائهم ورجالهم وأطفالهم، باتوا  في قلب المعركة، وكل شيء يخصّهم في قلب الإشتباك.. الأرض، والقبور القديمة، والشوارع الضيقة، والأسواق العتيقة، وصوت الأذان والصلوات، وكل ما هو حي ومقدس قائم في حالة الاشتباك.

وفي ذكرى إحراقه، يبقى المسجد الأقصى المبارك، عنوان القضية، وساحة الاشتباك، وملامح الأمة في العقيدة والمكان والزمان، فلن يضيع دمه هباء، ويقيناً أن الأمم لا تكون ولا تستحق أن تكون دون قضاياها الكبرى، لتستنهض من أجلها العالم، ليكون جديراً بالحياة، ولن يكون هناك أكبر وأقدس من قضية القدس، وقلبها النابض، مسجدها الأقصى المبارك.

نيران تتجدد:

تحل ذكرى إحراق المسجد الأقصى المبارك، فيما التهديدات ضده تتسع، فتتواصل اقتحامات اليهود له، ولا تتوقف الاعتداءات، وستبلغ ذروتها بالإحتفالات التي يخططون لها، ويطلقون عليها “ذكرى خراب الهيكل”، ويأتي ذلك في ظل تقارير ومخططات لمنظمات يهودية غاية في التطرف، تؤكد استعداد المنظمات المتطرفة لبناء الهيكل الذي يزعمون تاريخه، وأنها تمتلك المعدات اللازمة لتنفيذ مخططاتها، بانتظار القرار السياسي من حكومتها الأكثر يمينية وتطرفاً.

ويقيناً أن تداعيات مثل هذا القرار قد تهز الشرق الاوسط بأكمله، وتثير فيضاً طافحاً من ردود الفعل الغاضبة، لدى أكثر من مليار ونصف المليار مسلم في أنحاء العالم، إذ أن بناء الهيكل يعني هدم “أولى القبلتين” وثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى المبارك.

وإزاء ذلك، فإن الإستهانة بهذه المخططات، المتزامنة بخطوات عملية، كحفر الأنفاق تحت الحرم القدسي الشريف، وفي محيطه، والعمل على تهويد بعض المناطق المحيطة به، كما يجري في سلوان، ستجعل من مخططات المحتلين أمراً نافذاً في قابل الأيام، وبالتالي فالمطلوب فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، أخذ هذه النوايا والمخططات، على محمل الجد، لا سيما وقد بدأت تخرج من  مجرد الكلام، إلى الأفعال.

هدم الأقصى:

بموازة ذلك، تكشفت التقارير الإسرائيلية المتسارعة، عن خطة وضعتها منظمات وجمعيات إسرائيلية، مدتها ثلاثة أعوام، لهدم المسجد الأقصى، وبناء “الهيكل المزعوم” على أنقاضه، ويصطف في مقدمتها: إن مؤسسات ومنظمات يهودية تُجهّز نفسها لبناء “الهيكل المزعوم” على أنقاض المسجد الأقصى، وأنها بانتظار قرار سياسي رسمي في ذلك، بعدما تم وضع خرائط “للهيكل”، وهذه العصابات تصرّح علناً أنها بدأت في نقل المعدات، والأدوات اللازمة، ووضعها في الأماكن القريبة من المسجد الأقصى، تمهيداً للمباشرة في تنفيذ مخططاتها، ويؤشر على تنامي تلك النوايا العدوانية، تفعيل نشاط شعائر مراسيم الزواج التلمودي في ساحات الأقصى وأروقته.

وتمارس سلطات الاحتلال في القدس المحتلة، توظيفاً مكشوفاً للأساطير الكاذبة حول “الهيكل” لتبرير اقتحام قطعان المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك، وفي ذلك استفزاز صارخ لمشاعر المسلمين، وتعزيز لفرض المزيد من القوانين العنصرية والإجراءات التعسفية ضد أهل القدس، وهذا يندرج ضمن مخطط إسرائيلي يهدف إلى تكريس سياسة الإستيطان، وتغيير التركيبة الديموغرافية والجغرافية لمدينة القدس، وعزلها عن محيطها الفلسطيني.

وما تقترفه قوات الإحتلال وعصابات المستوطنين، من جرائم وإرهاب ممنهج ضد القدس وأهلها ومقدساتها، ما هي إلا سياسة خرقاء، لن تقود إلا إلى مزيد من التوتر في المنطقة، وهي تنثر بذور صراع ديني في المنطقة، لا يمكن التحكم بمجرياته ومساراته، وسيضع المنطقة برمتها على فوهة بركان قابل للإنفجار في أي لحظة، وهذا ما حذر منه الأردن على الدوام.

صراع ديني:

الصراع المحتدم على المسجد الأقصى المبارك، تجاوز لدى اليهود، القطاع الديني، وأصبح كذلك يشمل طلاباً علمانيين، يتضامنون مع اليهود، الذين يُمنعون من تأدية طقوس دينية يهودية داخل الحرم القدسي الشريف، وهؤلاء العلمانيون لا يضعون “قبّعات” دينية يهودية على رؤوسهم، ولا يصومون في ذكرى خراب الهيكل، لكنهم باتوا يحاربون من أجل دعم التواجد اليهودي في الحرم القدسي، بصورة لا تقل عناداً عن الصراع الذي يخوضه المتدينون اليهود، وهم يتطلّعون كذلك لإقامة “الهيكل” على أنقاض المسجد الأقصى!!.

هؤلاء العلمانيون باتوا على قناعة تامة بحق اليهود بالصلاة في المسجد الأقصى، ويعتقدون أنه حتى لو لم يكونوا من المحافظين على “الفرائض الدينية” فليس لأحد حرمانهم من العلاقة بالمكان، وهم ينشطون الآن لتعويض حزنهم على “خراب الهيكل” بالعمل على بنائه من جديد.

“الأقصى” وشرارة الأحداث:

تاريخياً، وعندما يتعلق الأمر بالمسجد الأقصى المبارك، تثور ثائرة الفلسطينيين، ففي الإنتفاضة المباركة الأولى “إنتفاضة الحجارة” كانت مجزرة المسجد الأقصى المبارك التي ارتكبتها قوات الاحتلال، ضد المرابطين فيه، العام (1990)، شرارة اندلاع حرب السكاكين، والتي خلقت تحولاً كبيراً في الفعل الانتفاضي المقاوم.. بحيث تطورت أدوات المقاومة وانتقلت رويداً رويداً من الحجر إلى السكين.. وفي العام (1996) كان إقدام سلطات الاحتلال على حفر نفق تحت المسجد الأقصى المبارك، سبباً كافياً لإندلاع ما عُرف حينها بـ”هبّة النفق” والتي انخرط فيها الفلسطينيون بما في ذلك عناصر الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، في مقاومة قل نظيرها، وسقط خلالها العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى.. ومن أيام الأقصى التي لا تُنسى، يوم ارتكب رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل “إسحاق شارون” حماقته باقتحام باحات الحرم القدسي الشريف، لتندلع “إنتفاضة الأقصى” العام (2000).. في حين كانت الإقتحامات المتكررة للمسجد المبارك، العام الماضي، وراء “هبّة القدس” الأخيرة، والتي لا زال صداها يتردد حتى الآن. 

إحتلال ما هو محتل!!

في الأيام الأخيرة الماضية، حاصرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال، القدس القديمة، لحماية اقتحام مئات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك، وتدنيس ساحاته، والاحتفال بذكراهم المزعومة، بخراب الهيكل، واستخدمت تلك القوات، أقصى درجات القمع، من ضرب بالهروات، وخنق بالغاز، ضد حراس الأقصى وسدنته، وعموم المرابطين فيه، وفي ذلك رسالة.. فهذه المرة، الأمر جد خطير، فالخطة الإسرائيلية الممنهجة لفرض أمر واقع في المسجد الأقصى، وتقسيميه زمانياً ومكانياً، تسير بوتيرة متسارعة، وغير مسبوقة، وما يجري هو إعادة احتلال لما تم احتلاله، ولما هو محتل أصلاً!!.. والأمر يستدعي أكثر من أي وقت مضى، وقفة عربية وإسلامية، وصحوة حقيقية، تؤدي إلى مواقف عملية، من شأنها حماية المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *