الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون”: الإنقسام يُدمّر القضية الفلسطينية..الإستيطان غير قانوني.. الحياة في غزة “لا تُطاق”.. والفلسطينيون يستحقون الحريّة

حوار – محمـد الرنتيسي:

قدّم “بان كي مون” الأمين العام للأمم المتحدة، نصائح كثيرة للفلسطينيين، مؤكداً على ضرورة تحقيق المصالحة ما بين فتح الضفة وحماس غزة، وإنهاء الإنقسام، في مؤشر جديد يأتي من الخارج، بأن الحالة الفلسطينية تمر بأسوأ مراحلها، إذ أن استمرار الإنقسام، “جريمة” بحق القضية الفلسطينية، يدرك مخاطرها الفلسطينيون أنفسهم، وكذلك كل العرب والمسلمين، لكن أن تأتي النصحية من شخص “غير عربي” وغير معني بشكل مباشر بالإنقسام، وليس طرفاً به، فهذا يؤشر بوضوح على أن سلبيات الإنقسام، فرضت نفسها على الأمين العام، الذي بحديثه عنها، إنما يتحدث عن شأن داخلي فلسطيني، ويريد أن يوصل رسالة، بأن المصالحة، باتت ضرورة ملحة، ومهمة، قبل الحديث عن أية حلول للقضية الفلسطينية.

بان كي مون، لدى زيارته الأخيرة إلى فلسطين، أعرب عن قلقه لغياب فرص السلام في المنطقة، ودعا لتعزيز الثقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، لافتاً إلى إن الفلسطينيين ملّوا سماع الحديث المتكرر عن السلام، بينما يواجهون على الأرض، عمليات القتل، والحواجز العسكرية، والحصار، وتصاعد وتيرة الإستيطان.. فيما الحياة في غزة لم تعد تطاق، داعياً مجلس الأمن، لتنفيذ قراره القاضي برفع الحصار عن هذه البقعة الصغيرة المحاصرة.

تصريحات كي مون، التي وردت في سياق لقاء حصري مع صحيفة “الوطن” القطرية، لم تخلُ من الصراحة والوضوح، فهو ضد الحصار على غزة، ومع الضغط على المجتمع الدولي لممارسة نفوذه في سبيل إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة العام (1967)، ويعتبر الإستيطان غير قانوني حسب المواثيق الدولية، غير أن الجانب الأهم برأيه، يتمثل في استعادة الوحدة بين الفلسطينيين، والعودة للعمل يداً واحدة، وتحت قيادة واحدة، لما في ذلك من تعزيز لدور دولة فلسطين، في الأمم المتحدة، وتسريع في حل القضية الفلسطينية، وتالياً نص المقابلة كما أوردتها صحيفة (الوطن):

– تكررت زيارتكم إلى المنطقة، ما المأمول من هذا الحراك الأممي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟.

نحن نسعى دوماً، لمتابعة سبل الاستمرار في عملية السلام بمنطقة الشرق الأوسط، وفي الآونة الأخيرة نركز على المباحثات التي أجريناها في باريس، لهذه الغاية، ونكرّس جهدنا للضغط على أطراف المجتمع الدولي كي يُلقوا بثقلهم، في سبيل الوصول إلى غايتنا في إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية العام (1967)، وتنفيذ حل الدولتين، باعتراف متبادل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فهذه رؤيتنا، ونحن عازمون على الإستمرار بها.

– ما المواضيع المحورية التي تستحوذ على مباحثاتكم مع الجانبين؟.

نحرص على أن تكون الأعمال على الأرض، تجسيداً لالتزامات الطرفين المعلنة، والقائمة على حل الدولتين، وشحنهما باتجاه قطع الطريق على المتطرفين، الذين يعملوا جاهدين لعرقلة هذا الحل، وحرف عملية السلام عن مسارها، ولا شك أن المتغيرات الإقليمية، تدفعنا لإعادة النظر في مبادرة السلام العربية، على طريق الحل الشامل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والإسرائيلي العربي بوجه عام.

– ما هي مقترحاتكم لإحياء عملية السلام، لا سيما وأنتم تستعدون لإلقاء تحية الوداع كأمين عام للأمم المتحدة؟.

رؤيتي أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد لتحقيق سلام دائم في المنطقة، ومن هنا يجب أن تبتعد القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، عن حافة الهاوية، من خلال المساعي الجادة لدفع عجلة السلام قدماً إلى الأمام، بما يُمكّن من العودة إلى مفاوضات مثمرة بين الجانبين، هذا أيماني الراسخ، ورغم أن هذا هو العام الأخير لي كأمين عام للأمم المتحدة، إلا أنني سأظل ملتزماً بالعمل مع الأطراف المعنية بسلام دائم وشامل في الشرق الأوسط، بهدف التوصل إلى تسوية عادلة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، بهذا الخصوص.

– ما السُبل الكفيلة بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية ووقف انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين واستيطانها الإستعماري على أراضيهم؟.

إنهاء الاحتلال يستوجب اتفاقا مستداماً، ينبثق عن حلول توفيقية من جانب قادة الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وهذا يستند إلى مفاوضات تقوم على وجود دولتين، وكي تتهيّأ الأجواء وتعود الثقة بين الجانبين للعودة إلى هذه المفاوضات، يتوجب على الحكومة الإسرائيلية، المبادرة  بخطوات جادة، تبدأ بتجميد مشروعها الاستيطاني، فهو غير قانوني، طبقاً للقانون الدولي، ويجعل إسرائيل أقلّ أمناً، ويضاف إلى ذلك وقف عمليات هدم المنازل الفلسطينية، ورفع الحصار عن قطاع غزة، فالحياة فيها لم تعد تُطاق، وبالتزامن مع هذا، يتوجب على القيادة الفلسطينية، مقاومة “العنف” وإدانة “الإرهاب”.. والعمل على وحدة الفلسطينيين تحت سلطة واحدة، والأهم هو أن تكون الأعمال على الأرض، تجسيداً للإلتزامات الموقعة بين الجانبين، والقائمة على حل الدولتين، لكن علينا أن نعلم أن المفاوضات المثمرة، تتطلب وجود قيادة لكل جانب، لديها الشجاعة والإرادة السياسية، الكفيلة بالتوصل إلى تسوية تاريخية.

– تحاول أميركا التقليل من شأن المبادرة الفرنسية بعد رفض إسرائيل لها.. كيف تقرأ المشهد؟.

الأمم المتحدة مع أي مسعى، من شأنه أن يعيد الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني إلى طاولة المفاوضات، وتدعم أي جهد أو مبادرة ترمي إلى تهيئة الأجواء الملائمة، للعودة إلى مفاوضات جادة، أساسها الحل القائم على الدولتين، ومثل هذه الجهود توفر مناخاً مناسباً لإسرائيل وفلسطين، للمضي قدماً في عملية السلام، بينما عدم استثمار مثل هذه المبادرات والفرص، ينبىء عن ضياع فرصة ثمينة للخروج من الجمود الراهن.. ولذا، فنحن نحث القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، على اغتنام أي فرصة، كالمبادرة الفرنسية وغيرها، لتحقيق السلام العادل والشامل لشعبيهما.

– كيف يبرز دور الأمم المتحدة في حماية اللاجئين “الجدد” من الفلسطينيين الفارين من جحيم القتال في سوريا والعراق؟.

ننظر ببالغ القلق، حيال سلامة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والعراق، فهؤلاء ذاقوا مرارة التشريد أكثر من مرة في حياتهم، ويتعرضون للتجويع والحرمان من أبسط الحقوق، وهذا بحد ذاته “جريمة حرب”.. نحن طالبنا ونطالب الأطراف المتصارعة، لوقف المجازر ضد المدنيين، وجنباً إلى جنب، نعمل لضمان حصول هؤلاء اللاجئين، على المعونة اللازمة، للبقاء أحياء، وفي الوقت ذاته، نبذل قصارى جهدنا، لإنهاء النزاعات في هذين البلدين.

– كيف يظهر الدور الفلسطيني في الأمم المتحدة؟.

فلسطين لها دور فاعل كعضو مراقب في الأمم المتحدة، غير أن تحقيق المصالحة واستعادة الوحدة الفلسطينية، من شأنه أن يعزز دورها، ويدفع باتجاه حل قضيتها، ولا سبيل للفلسطينيين غير توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، تحت راية واحدة، وسلطة واحدة، وهذا أمر غاية في الأهمية، لجهة توحيد الجهود، وتجنيد الطاقات، لإقامة دولة تنعم بالاستقرار في ظل حل الدولتين، وكذلك لجهة تعزيز قدرات الحكومة الفلسطينية، في مواجهة الأزمات الإقتصادية، التي تشكل أساساً لتأجيج الغضب الفلسطيني.

– هل من رسالة أو نصيحة تُودّع بها الشعب الفلسطيني مع قرب انتهاء ولايتكم؟.

أشعر ببالغ القلق، وأنا أرى شباناً وأطفالاً، يحملون الأسلحة في طريقهم للقتل، هنالك تصعيد خطير في أعمال “العنف”.. ورسالتي لجميع الأطراف أن لا يسمحوا للمتطرفين، باستغلال الدين لتأجيج الصراع، وأوقول للفلسطينيين والإسرائيليين معاً: ليكن لديكم موقف حازم أمام “الإرهاب والعنف”.. ولتثبوا فعلاً لا قولاً،  بأنكم ملتزمون بحل الدولتين لإنهاء الاحتلال.. سخّروا كل طاقاتكم بالطرق السلمية، لتحقيق طموحاتكم، من حق الفلسطينيين أن يعيشوا بحرية وكرامة، وبالقدر ذاته، يحتاج الإسرائيليون لأفق سياسي، يحقق لهم الأمن، ويكسر حالة الخوف، والأمم المتحدة تساندكم وتدعم جهودكم، لتحقيق تطلعاتكم، وهذا لن يكون إلا عبر مفاوضات مجدية.

نقلاً عن (الوطن) القطرية.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *