سباق الأنفاق: أسرار “الحرب الباردة” بين “حماس” وإسرائيل

بقلم: اليكس فيشمان
بعد مرور سنتين على عملية «الجرف الصامد» تدخل اسرائيل و»حماس» الى الجولة الاخيرة الحاسمة من الركض الى مسافات طويلة – سباق الانفاق. على مدى سنوات طويلة كانت اسرائيل هي المتأخرة، أما «حماس» فقد حفرت الى الأمام. والآن يركض الخصمان كتفا الى كتف وهما ينظران الى الجانب لرؤية من يصل الى خط النهاية أولاً. فهل ستنجح اسرائيل في انتاج العقبة المرجوة قبل أن تكون «حماس» مستعدة مع سلاح «يوم القيامة» الخاص بها – عشرات الانفاق مع ثغرات الى داخل الاراضي الاسرائيلية؟
الزمن هنا هو عامل حاسم. المجتمعان الاسرائيلي والغزي يستثمران في هذا السباق مليارات الشواكل. هذه هي الحرب الباردة الحقيقية التي تختفي وراء الهدوء المزيف في حدود القطاع. إلا أنه خلافا لتلك الحرب الباردة، اسرائيل لا يمكنها الاكتفاء بتوازن الرعب. يجب عليها الوصول الى الحل الافضل الذي يقضي على التهديد.
في هذه السنة استثمرت «حماس» 250 – 300 مليون شيكل في مشروع الانفاق. 20 في المئة من ميزانيتها السنوية تخصص الآن للتسلح العسكري، والجزء الاكبر من هذا المبلغ يذهب للانفاق. ويدور الحديث عن مبالغ غير مسبوقة، الامر الذي يفسر حقيقة أن اعمار غزة يتم ببطء، لأن قسما كبيرا من الاموال التي تصل الى حكومة «حماس» كتبرعات من جهات خارجية (يشمل ذلك الاتحاد الاوروبي) ومن جباية الضرائب ومن السلطة الفلسطينية في رام الله، يُستخدم في بناء الأنفاق. يدور الحديث عن مبلغ يربو على 500 مليون دولار سنويا، يذهب لحفر الانفاق. اغلبية مواد البناء التي تستخدمها الذراع العسكرية لـ»حماس» لتقوية الانفاق تصل من مصر عن طريق 10 – 15 نفقا ما زالت توجد في محور فيلادلفيا أو عن طريق معبر رفح مرة كل بضعة اشهر وبموافقة مصرية. ولكن ما يدخل الى القطاع من اسرائيل ايضا عن طريق معبر كرم أبو سالم لا يتم استخدامه بالضرورة في بناء المدارس. الصراع الشديد الذي تخوضه اسرائيل ضد تهريب المواد ووسائل الحفر مثل الكوابل الكهربائية، يثمر كثيرا، لكن معبر كرم أبو سالم غير مغلق بالكامل.
في السنة الاخيرة اكتشفت اسرائيل البعد الحميمي للحفر. بين 50 – 60 شخصا من سكان غزة، ممن كانت لهم صلة بالحفر، تم اعتقالهم في إسرائيل في ظروف مختلفة. ليس هناك المزيد من متابعة ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود، بل سياسة أكثر فعالية لافشال مشروع الانفاق. وقد تم وضع هذه السياسة منذ عهد موشيه يعلون كوزير للدفاع. وزير الدفاع الحالي، افيغدور ليبرمان، لم يتبن هذه السياسة فقط بل دفعها قدما. فثمة عدد كبير من الحفارين والمطلعين على الأسرار وقعوا في أيدي اسرائيل. وهم الآن يتحدثون، كل واحد حسب رأيه، عن أين حفروا ومتى حفروا ومن المسؤول عنهم وكم ربحوا وما هي ظروف العمل داخل الانفاق. وهكذا تتشكل الصورة التي تُبين أن حفر الانفاق هو مشروع وطني في غزة. ليست هناك أي معارضة أو دعوات تطلب وقف الاستثمار في الجيش والحرب التي لا فائدة منها ضد اسرائيل، والاستثمار في اعمار القطاع. تحظى «حماس» بالاجماع في اوساط السكان، وعندما يتعلق الامر بالانفاق فان السكان في غزة يكونون مستعدين لتحمل المعاناة.
منذ عملية «الجرف الصامد» زاد عدد الحفارين. عدد كبير من بين الذراع العسكرية لـ»حماس»، من بين   الـ25 كتيبة، ينتشرون أمام حدود اسرائيل، وكل واحدة منها تسيطر على منطقة، وبعضها يوجد فيها من يهتم بحفر الانفاق – «مقاولون» يركزون العمل، كل واحد في منطقته، بما في ذلك الحوافز. «كل مقاول» كهذا مسؤول عن عشرات الاشخاص. والمغزى: غزة تحفر الانفاق 24 ساعة في اليوم. وفي المحصلة هناك آلاف الاشخاص الذين يرتزقون من ذلك. هذه السرعة القاتلة لم تكن قبل «الجرف الصامد»، بسبب ضغط الوقت ونوعية المواد التي ليست صالحة، بالضرورة، قتل هذا العام 20 شخصا في حوادث عمل اثناء الحفر، وكان آخرها في بداية الاسبوع اثناء حفر نفق في شمال القطاع.
زعماء كتائب «حماس» يعرفون الآن أن التمويه والخداع في موضوع الانفاق باتا واضحين. رجالهم قالوا كل شيء، ليس فقط عما يفعلونه الآن بل ايضا ما فعلوه قبل سنة. «حماس» من جهتها تبذل جهدا كبيرا من اجل معرفة أين تقف اسرائيل في موضوع حرب الانفاق. والنقاشات التي جرت في «حماس» قبل بضعة اشهر بعد اكتشاف اسرائيل لنفقين بوساطة الوسائل التكنولوجية المتطورة لم تؤد الى الاستنتاج بأنه يوجد حل لدى اسرائيل وأن من الافضل وقف الحفر. بل العكس، «حماس» تتصرف انطلاقا من نظرية أنه اذا كان لدى اسرائيل أداة لكشف موقع النفق، فلا يجب لهذا أن يمنع استخدامه. لكل نفق يتم حفره من القطاع يوجد أكثر من فتحة وتفرع، الامر الذي سيصعب على اسرائيل منع الهجوم منها. وكأحد دروس «الجرف الصامد» ضاعفت «حماس» قواتها الخاصة «النخبة»، مرتين أو 3 مرات، وهي التي من المفروض أن تخرج من الانفاق في اليوم الموعود. وعدد هذه القوات يبلغ الآن 5 آلاف شخص.
اسرائيل من ناحيتها تطلق في هذه الاثناء مشروعا قوميا طموحا لا يقل أهمية عن العقبة المادية. خطة اقامة جدار تحت الأرض حول قطاع غزة كشف عنها زميلي ناحوم برنياع قبل بضعة اسابيع. ويدور الحديث عن مشروع تصل تكلفته الى 2.2 مليار شيكل وسينتهي العمل فيه خلال عامين، لكن أجزاء مركزية منه ستكون جاهزة في السنة القريبة. وعندما يبدأ الاسمنت بالتدفق الى باطن الارض فمن المفروض أن يقوم باغلاق الانفاق التي حفرت باتجاه إسرائيل. أي أنه لا يجب الانتظار حتى انتهاء المشروع.
في المقابل، تستثمر اسرائيل مئات ملايين الدولارات وبمساعدة اميركية من اجل استكمال المشروع التكنولوجي للكشف عن الانفاق وعن مساراتها. نظرية العمل في اسرائيل هي أن «حماس» ستبدأ برؤية ظهرنا في هذا السباق حتى نهاية العام.

حُفاة مع كلاشينكوف:
ليس غريبا أنه في اطار سباق التسلح الدراماتيكي ترفض «حماس» العسكرية التنازل عن صلتها مع «داعش» في سيناء. هذا هو انبوب الاكسجين الاساسي بالنسبة لها، وهي على استعداد لدفع ثمن باهظ مقابل ذلك بعلاقتها مع مصر.
في هذه الاثناء بالتحديد يعيش في القطاع سليمان سوالكة، الذي أسس المنظمة الارهابية «انصار بيت المقدس»، وقدم ولاءه فيما بعد لـ»داعش»، وهو الآن أحد قادة «الدولة الاسلامية» في ولاية سيناء. هذا هو الشخص الذي خطط في 2004 للعملية الارهابية في فندق «هلتون» في طابا ورأس الشيطان التي قتل فيها 14 شخصا منهم 12 اسرائيليا. صحيح أنه تم اعتقاله من قبل مصر وقبع في السجن، لكنه هرب اثناء الثورة على مبارك وعاد الى سيناء وواصل العمليات الارهابية. في الاسابيع الاخيرة اثناء الهجوم المصري الناجح على جبل الهلال في سيناء، هرب الى القطاع. والمصريون يطالبون الآن بتسليمه، لكن «حماس» لم تستجب لذلك.
يوجد بين «حماس» و»داعش» في سيناء تحالف مصالح يسمح لهما بتهديد مصر واسرائيل. ولهذا التحالف هناك بعد عملياتي. فبنية الصناعات العسكرية لـ»حماس» في غزة أصيبت في السنة الاخيرة بشكل كبير نتيجة عمليات الجيش الاسرائيلي ولاسيما سلاح الجو. لهذا قامت المنظمة بنقل جزء من اجهزة الانتاج الى جبل الهلال في سيناء، الذي يوجد تحت سيطرة «داعش».

وهناك تستمر في تصنيع القذائف التي تحولت الى السلاح الاكثر فتكا لغلاف غزة، والعبوات المتطورة بأنواع مختلفة. في حزيران من هذا العام، عندما دخل الجيش المصري الى منطقة الهلال تم العثور هناك على عشرات العبوات التي تم تحضيرها من قبل «حماس». أو بناءً على خبرة «حماس». وفي اوساط «داعش» في سيناء يعمل حوالي 20 مختصا من «حماس»، يقومون بارشاد «داعش» في مواضيع اصابة الدبابات والحرب الصغيرة. صحيح أن «حماس» الرسمية تتنصل من ذلك خوفا من رد مصر الشديد، لكن الحديث يدور عن اشخاص معروفين من غزة وماضيهم في ذراع «حماس» العسكرية معروف. هذه المجموعة التي انضمت لـ»داعش» في سيناء في السنوات الاخيرة، حولت «داعش» من جماعة حفاة مع الكلاشينكوف الى منظمة لحرب العصابات تتسبب في الخسائر الكبيرة لقوات الامن المصرية، حوالي 10 قتلى كل شهر.
شمال سيناء، الذي يوجد تحت سيطرة «داعش»، هو منطقة استراتيجية بالنسبة لـ»حماس»، لأن منطقة التهريب للاشخاص وللوسائل القتالية تتركز هناك. و»داعش» تستغل هذا المحور جيدا. عشرات نشطاء «داعش» المصابين جراء المعارك مع المصريين يجتازون الى المستشفيات في القطاع.
يوجد لـ»داعش» في سيناء مواقع عسكرية قريبة من الحدود الاسرائيلية، موقع أمام كرم أبو سالم والآخر في بلدة في جنوب رفح المصرية. وتعتبر هذه نقاط تهديد دائمة لحدود اسرائيل. وبيقين فانه في لحظة بدء الحرب مع «حماس» سيتم فتح جبهة ثانية من سيناء، مثلا ايلات ستكون هدفا، ومن اجل الوصول إليها فان «حماس» بحاجة الى «داعش».
قرر المصريون في الاشهر الاخيرة التوقف عن إغراق الانفاق في محور فيلادلفيا. وهم يعرفون جيدا أن «حماس» ما زالت تهرب عن طريقها الى سيناء. و»داعش» تستخدمها ايضا. ولم تفهم اسرائيل ذلك، لكن بالنسبة لمصر هذا جزء من اللعبة المفضلة لديهم، ترويض «حماس». أي الاظهار لـ»حماس» أهمية العودة الى حضن مصر. وليس فقط أن المصريين أوقفوا اغلاق الانفاق في شهر رمضان، بل إن الطاقة الكهربائية التي خصصت لاغراق الانفاق انتقلت لصالح رفح. أي، انظروا كم نحن جيدون، سيكون لكم المزيد من الكهرباء اثناء رمضان والانفاق التي لم يتم اغراقها يمكنكم تهريب البضائع خلالها. واذا لم تفهم «حماس» ذلك فسيتم استئناف اغراق الانفاق.
في معبر رفح يتصرفون بهذا الشكل. بين 40 – 50 ألف مواطن غزي قدموا في السنة الاخيرة طلب خروج الى مصر. لكن المصريين يقومون بتعذيبهم/ حيث إنه مرة كل بضعة اسابيع يسمحون بالخروج، ويتم اغلاق البوابة حتى اشعار آخر. معاملة انسانية لسكان القطاع؟ هذا ما يطلبه المجتمع الدولي من اسرائيل. بعد أن قامت تركيا بترتيب اوضاع القطاع مع «حماس» دون الرجوع للسلطة الفلسطينية، طلبت السلطة الفلسطينية في رام الله الرد على هذه الاهانة، وقامت بمنع الشاحنات التي تحمل البضائع التركية من الدخول الى غزة. وكان المبرر الرسمي هو عطلة عيد الفطر.

انتخابات “حماس”: 
على خلفية سباق التسلح تتم في هذه الاثناء في قطاع غزة عملية سياسية قد تغير بشكل اساسي موقف «حماس» من التهدئة مع اسرائيل. في نهاية كانون الاول ستبدأ الانتخابات الداخلية السرية لمؤسسات «حماس» وقيادة المنظمة. ومن المتوقع أن تنتهي في آذار 2017. وسيشارك فيها كل اصحاب الادوار المركزية في «حماس» وأذرعها في العالم، بما في ذلك السجون في اسرائيل. رئيس المكتب السياسي لـ»حماس»، خالد مشعل، ورئيس حكومة «حماس» في القطاع، اسماعيل هنية، سينهيان منصبيهما، لكن مشعل الذي كان يمثل الضفة الغربية في المنظمة سيرثه كما يبدو ممثل من غزة. والمرشح الافضل لهذا الدور هو اسماعيل هنية. وخلافا لمشعل، الذي يعيش في قطر، فان هنية سيدير «حماس» من القطاع.
المنافس الابرز لخلافة هنية هو يحيى السنوار، وهو من مؤسسي ذراع «حماس» العسكرية وأحد قادتها الخمسة الابرز الآن. وقد تم اطلاق سراح السنوار في صفقة شاليت، حيث كان يفترض أن يقضي في السجن الاسرائيلي عدداً من المؤبدات، وهو من أكثر «المتطرفين» في القيادة العسكرية لـ»حماس». وهو ايضا خصم ايديولوجي عنيد للذراع السياسية برئاسة خالد مشعل. إن مشعل، الذي اعتبر غزة محطة مرحلية فقط، كان على استعداد لخطوات معتدلة في الموضوع العسكري بشرط ألا يؤثر ذلك على سيطرة «حماس».

وبالنسبة للسنوار فان هدفه الاول هو الكفاح المسلح ضد اسرائيل وتعزيز الذراع العسكرية. وهو الذي يدفع باتجاه اختطاف الجنود والمواطنين الاسرائيليين وتصعيد العمليات ضد اسرائيل في «يهودا» و»السامرة». يريد مشعل الاعتماد على السعودية في محاولة للحفاظ على تأييد الدول السنية لـ»حماس». أما السنوار فيتوجه لإيران، المحور الشيعي الراديكالي. فمن هناك تصل الاموال والسلاح. ومن ناحية اخرى يضغط من اجل الحفاظ على العلاقة مع «داعش» في سيناء. وعند الحديث عن العمل ضد اسرائيل، فان الخلافات الأيديولوجية بين ايران الشيعية و»داعش» السنية ليس من المفروض أن تشكل عقبة. واذا صعد يحيى السنوار الى السلطة فان الصراع ضد اسرائيل سيأخذ طابعاً أكثر هجومية.
يوجد للسنوار الكثير من الاعداء في القطاع. فعائلة شتيوي مثلا تطلب رأسه. محمد شتيوي، قائد كتيبة في «حماس»، تم اعدامه في شباط هذه السنة دون محاكمة بتهمة السرقة ومخالفات اخلاقية … ومن اصدر أمر الاعدام كان السنوار. عائلة شتيوي رفضت هذه الاتهامات، واتهمت السنوار بتصفية حسابات داخلية. ويدور الحديث عن عائلة كبيرة مسلحة. والمواجهة العنيفة بينها وبين السنوار مسألة وقت.
هذا مثال واحد فقط على وعاء الضغط لقيادة «حماس» الممزقة بسبب الخلافات السياسية والصراع على الارث. وهذا الوعاء قد ينفجر في وجه اسرائيل قبل حسم موضوع الانفاق. الازمة الانسانية والاقتصادية في القطاع والتوتر داخل قيادة «حماس» يزيدان من امكانية اندلاع المواجهة غير المخطط لها ضد اسرائيل. وهذا قد يبدأ مثلا بعملية «ناجحة» لخلية تابعة لـ»حماس» في الضفة، الامر الذي سيجعل اسرائيل ترد بشكل شديد في القطاع.
يصعب على غزة اتخاذ قرارات عقلانية الآن. وتشير مصادر اسرائيلية الى وزير الداخلية السابق في حكومة «حماس»، فتحي حماد، حيث يقوم داخل غزة بتوجيه عمليات في «يهودا» و»السامرة» بمستوى لم يسبق له مثيل منذ «الجرف الصامد». وفي نهاية المطاف قد ينجح في ذلك.

عن “يديعوت”


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *