هنيئا لك يا تركيا!

بقلم: حلمي الأسمر

ليلة طويلة كانت، لم ينم الملايين، وألسنتهم تلهج بالدعاء والتوسل إلى الله عز وجل أن يحفظ تركيا، ولم ينم آخرون، وهم يرحبون بالبساطير الإنقلابية، بوصفها من معشوقاتهم، فباتوا وهم يلعنون الديمقراطية، والحرية، فرحين بما خيل لهم أنها هزيمة لتجربة ملهِمة، تعلقت بها قلوب الملايين، وفتحت أبوابها للمضطهدين، فكانت ملاذا آمنا لمن تقطعت بهم السبل، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت!

ليلة لم تكن كبقية الليالي، فقد تابعنا عن قرب حتى مطلع شمس اليوم التالي، وتربعها في كبد السماء، كيف انتصر الشعب لمستقبله، وحمى ديمقراطيته ومنجزاتها بلحمه الحي، ووقف في وجه الإنقلابيين، المدججين بالخيانة، فقد ذاق القوم مرارة الانقلابات وعلقمها، حيث أخذوا البلاد والعباد إلى حال مزر اقتصاديا واجتماعيا وحتى صحيا، فحولوا بلدا من أغنى بلاد العالم وأجملها إلى مزبلة، ليأتي من يحب بلاده، ويتفانى في خدمة شعبه، فينقذها من براثن العسكر، وذلهم، وليرتقي بها إلى مصاف الدول الناجحة، التي يشار لها بالبنان!

على تخوم هذه الليلة التي كانت ليلاء على أعداء الحرية، والكرامة، ثمة جملة من الوقفات.

أولا/ كان لافتا تلكؤ الدول الكبرى، بالانتصار لصناديق الاقتراع، منتظرة نجاح البيان رقم واحد، وإنجاز مشروع قتل الديمقراطية، كي تبارك الانقلاب، حتى أن بوتين، «تكرم» وعرض على أردوغان «منحه!» حق اللجوء السياسي في بلده، حتى إذا احست بفشل الإنقلاب، وسقوط قادته في أيدي الشعب وشرطته، سارعت إلى التنديد بالبساطير، وقد كانت تنتظر علوها!
ثانيا/ أليس غريبا أن يلتقي في التشفي بتركيا، وأردوغان، إعلام الصهاينة، والعرب المتصهينين، وكثير من النخب المهترئة، فضلا عن بعض الدول الكبرى؟ ما دلالة هذا الأمر؟ هل ثمة مؤامرة دولية لإسقاط الطيب، وتلطيخ تجربة تركيا بالطين؟ هل فعلا جاء الإنقلابيون كما قالوا في بيانهم البائس لحماية الديمقراطية، وهم الذين قصفوا مبنى البرلمان بالطائرات؟ بل هل ثمة خير يرتجى من بساطير العسكر، وتربعهم على سدة الحكم؟ دلوني يا قوم على انقلاب جر خيرا لبلده، كي نضرب سلاما للبساطير!
ثالثا/ حتى الساعات الأولى من نهار أمس، كانت وسائل إعلام ناطقة بالعربية تنعق وتشكك، في مدى نجاح السلطات التركية وأبناء شعبها، في دحر حثالة الانقلابيين، فهزيمة هؤلاء المنكرة فأل سوء على ذهنية الانقلابيين، حيثما كانوا، الذين لا يأتون بخير!
رابعا/ نزول الشعب التركي إلى الشوارع، برسالة «سكايب» من زعيمهم الطيب، ونجاحهم في دحر الدبابات، أمثولة بل قد تكون معجزة، سيكون لها ما بعدها، فهي رسالة للشعوب المستضعفة، التي تحسب أنها ضعيفة ولا حول لها في تغيير ما يجري حولها، فضلا عن أن الحدث بحد ذاته دليل على أهمية أن يلوذ الزعيم، أي زعيم، بأبناء شعبه، لحمايته، وحماية البلاد، وبالطبع لم يكن ليستمع أحد لرسالة الطيب، لو لم يكن قدم لهم السبت، ليحصد استجابتهم الأحد، أما الاحتماء بالاستبداد والعسف والظلم، ودعم العدو الخارجي، فهو لا يجعل للزعيم ولو مقدار حبة من خردل من حب في قلوب أبناء شعبه، ولو استنصرهم فلن ينصروه، ولو استنهض همتهم لخذلوه، لأنه خذلهم، فأنى يستجيبون له؟.
كم كانت جميلة تلك التغريدة، التي اجترحها أحدهم فقال أن ثمة فرقا هائلا بين من يستعين بالدبابات لمواجهة الشعب، ومن يستعين بالشعب لمواجهة الدبابات!
هنيئا لك يا تركيا، وليمت من يكره الحرية، وصناديق الاقتراع، والنجاح، بغيظه!

عن (الدستور) الأردنية.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *