أمين عام الجبهة العربية الفلسطينية جميل شحادة في حوار مع “الشروق”: “الرئيس” أول من نادى بوقف التنسيق الأمني.. إسرائيل بدأت تُحاكِم المستوطنين لتفادي الجنايات الدولية.. ورفضها للمبادرة الفرنسية سيزيد من حجم مقاطعتها

رام الله – أجرى الحوار محمـد الرنتيسي:

في آذار (2015) اتخذ المجلس المركزي الفلسطيني، قرارات هامة على ضوء تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية آنذاك، بينها وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، ووقتها حاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إعطاء فرصة لتحديد العلاقات مع إسرائيل واختبارها، ولم يُنفّذ هذه القرارات بعد مرور أكثر من عام عليها، لكن إسرائيل كعادتها، لم تتجاوب مع هذا الموقف، بل واصلت سياساتها الإستيطانية والتهويدية، ووصل الأمر حد اقتراح ضم الضفة الغربية، فضلاً عن اقتحام المناطق الفلسطينية المصنفة (أ)، ومؤخراً رفضت المبادرة الفرنسية، فكان الرد أخيراً من القيادة الفلسطينية، بالبدء الفوري بتنفيذ قرارات المجلس المركزي فيما يتعلق بالتنسيق الأمني تحديداً، ومجمل العلاقة مع إسرائيل.

في هذا الإطار، يؤكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام للجبهة العربية الفلسطينية، جميل شحادة، أن المواقف والقرارات الوطنية الفلسطينية، بحاجة إلى تنفيذ فوري، بعيداً عن المماطلة والتسويف، مشدداً على أن هذا يتطلب موقفاً موحداً، لا سيما وأن الكل يدرك أن إسرائيل سترد على مواقف كهذه، بكل الوسائل.

شحادة، أكد في حوار خاص مع “الشروق” أن المطلوب في هذه المرحلة، إعادة تقييم فلسطينية جادة وشاملة للأوضاع بشكل عام، ووحدة وطنية صادقة وقوية لمواجهة التحديات المتزايدة، والتي تهدد ما تبقى من الأرض، والمستقبل الفلسطيني، وتقضي على كل فرص التسوية والسلام، وفي السطور التالية نص الحوار:

– أخيراً اتخذت القيادة الفلسطينية قراراً بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ومجمل العلاقات معها، ما المطلوب في الخطوات المقبلة؟.

أولاً، هذا القرار اتُخِذ بإجماع وطني، وكان هناك جدية من قبل الجميع حول هذا القرار، وبالمناسبة، أول من نادى بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، هو الرئيس أبو مازن، حتى قبل أن يصدر القرار، ولدى صدوره، كان الرئيس ينتظر أن يكون هناك تحرك دولي وأقليمي للضغط على إسرائيل، للإلتزام بقرارات الشرعية الدولية، والتعاطي مع مطالب الشعب الفلسطيني، بوقف الإستيطان، والتجاوب مع المطالب الفلسطيينية، وكان هناك شكل من التحرك الدولي، إلا أنه لم يؤثر على إسرائيل، وعندما بدأ هذا التحرك، كان لدينا انتظار لتنفيذ القرار، والآن وصلنا إلى مرحلة فشل في التحرك الدولي، وخصوصاً لجهة إلزام إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية.

الولايات المتحدة الأميركية، عجزت عن إلزام إسرائيل بأي قضية، سواء بوقف الإستيطان، أو الإنسحاب، أو حل الدولتين، أو أي شيء آخر، واليوم هناك قضيتين مهمتين: الأولى، أن إسرائيل ترفض الانسحاب من مناطق (أ) التي دخلت المفاوضات مع الفلسطينيين على أساسها، وهي ترفض مشروع دولي لتحريك عملية السلام، ورفضت المقترح الفرنسي، والثانية، أن إسرائيل تريد مفاوضات ثنائية من أجل المفاوضات فقط، وإزاء ذلك فإن اللجنة التنفيذية ستضع هذه الحقائق أمام فصائلها وأجهزتها، وسيتم اتخاذ القرار المناسب بحصوص الخطوات المقبلة، علماً بأن هناك خطة للجنة السياسية المكلفة من اللجنة التنفيذية، حول آلية تنفيذ قرارات المجلس المركزي، كالتنسيق الأمني والاقتصادي، وإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، بكل جوانبها، وهي موضوعة على طاولة القيادة الفلسطينية.

– هل يفهم من كلامك أن الموقف الدولي أضعف تحركات وقف التنسيق الأمني؟.

أعتقد أن القيادة الفلسطينية، أعطت فرصة، ونحن لا نريد الصدام مع الإسرائيليين، نحن نريد أن تنصاع إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية، وهناك دول أوروبية، تعهدت بهذا الأمر، بعد فشل الإدارة الأميركية، ومنها فرنسا، وقد أُفشِل المشروع الفرنسي على يد نتنياهو، وفيما يتعلق باللجنة السياسية، فقد قدمت تقرير كامل للجنة التنفيذية، وترافق في هذه الفترة مجموعة من التحركات الفلسطينية، والإنضمام للعديد من المنظمات الدولية، وهناك جهود تُبذل في محكمة الجنايات الدولية، وفيما يتعلق بوقف التنسيق الأمني، فكما قلت، القيادة الفلسطينية أعطت فرصة لتحرك دولي، للضغط على إسرائيل للإلتزام بالقرارات الدولية، وفي الأثناء حصلنا على عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة كعضو مراقب، ورفع العلم الفلسطيني، إلى جانب موضوع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وأصبحنا على المحك، وبعد إغلاق إسرائيل كل المنافذ، كان لزاماً على القيادة الفلسطينية، أن تتخذ القرار المناسب بوقف هذا التنسيق مع الإحتلال.

– قلت أن الرئيس هو أول من طالب بوقف التنسيق الأمني.. لكن تصريحاته أحياناً تخالف هذا المنطق، كيف تفسر ذلك؟.

هي محاولة من الرئيس، لتوظيف الجهد الدولي لمصلحة الوضع الفلسطيني، والتنسيق الأمني يخلق حالة إرباك وضرر في الوضع الفلسطيني، والجانب الإسرائيلي يستفيد أكثر من الفلسطينيين في هذا التنسيق، ليس هدفاً لدينا أن نوقف التنسيق الأمني، الهدف هو أن تنصاع إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية، وفي حال أصرّت إسرائيل على عنادها وموقفها، فنحن مضطرين لوقف التنسيق الأمني، وإعادة النظر في مجمل علاقاتنا معها، مهما تكن نتائج وتأثيرات وتداعيات هذا القرار، هذا الموضوع أصبح على المحك، ويجب أن يكون لدينا موقف واضح منه.

– هل صحيح ما يتردد أن بعض القرارات يتم اتخاذها دون تشاور كافة الأطراف في المنظمة؟.

يمكن أن يكون ذلك في إطار العلاقات والنشاطات، أما قرارات بمستوى التنسيق الأمني والعلاقة مع الإسرائيليين، والذهاب إلى مفاوضات، والقضايا الجوهرية، فهذا لا يحدث، وفيما يتعلق بتطوير العلاقة مع المجتمع الدولي، فحجم المشاورات والتواصل بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني، في إطار اللجنة التنفيذية، أقل من المستوى المطلوب، لكن دون أن يمس القضايا الجوهرية والمصيرية.

– كيف يتم اتخاذ القرارات حيال القضايا الجوهرية إذن؟.

القرارات السياسية والمهمة، بالتأكيد تتم من خلال الاجتماعات في منظمة التحرير، وإن كان هناك بعض القرارات يوجد خلافات عليها، فالبعض يتحفّظ، وعندما يصدر القرار يتعامل معه كقرار رسمي، لكن كل تنظيم يُعبّر عن رأيه إذا كان لديه تحفّظ على القرار، وهناك مؤسسة أخرى تؤخذ فيها القرارات مثل المجلس المركزي الفلسطيني، ويُعقد كل ثلاثة أشهر، لكن بصراحة لا يُعقد بانتظام، وهذه مؤسسة ملزمة، لكن قبل أكثر من عام، تم اتخاذ قرارات لكنها لم تُنفّذ.

– كيف تتابعون سير الملفات الفلسطينية المرفوعة إلى محكمة الجنايات الدولية؟.

نحن أعضاء في محكمة الجنايات الدولية، وقدمنا إليها ثلاث ملفات رئيسية: ملف الإستيطان ومحاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن الأعمال الإستيطانية، وملف العدوان على قطاع غزة، ومحاكمة القيادات الإسرائيلية المسؤولة عن هذا العدوان، وملف الأسرى، وأضيف إلى هذه الملفات، مجموعة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل فيما بعد، كجريمة حرق الشهيد المقدسي الطفل محمـد أبو خضير، ومن ثم حرق عائلة دوابشة، وكان جوابها أنها تدرس هذه الملفات والوقائع، وتأخذ قرارها فيما بعد بفتح التحقيق واستدعاء الأشخاص المعنيين، وحتى الآن هذه الملفات في طور الدراسة لدى المحكمة، وتنتظر الإحالة إلى التحقيق، ونحن نُركّز على فتح التحقيق بملف الإستيطان، لأن الجرائم الأخرى واضحة، والعالم يقف معنا ضد الإستيطان، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، والآن الدور على الجنايات الدولية، وقد حققنا تقدم مهم في هذا الجانب، لكن لم نصل إلى مرحلة الإحالة، أو فتح التحقيق في هذه الملفات، وننتظر أن يكون ذلك في المرحلة القادمة.. وإسرائيل الآن بدأت تستبق الأحداث، وتحاكم بعض المستوطنين، لتفادي محاكمتها أمام الجنايات الدولية.

– بعد الرفض الإسرائيلي للمبادرة الفرنسية، والبدء بوقف التنسيق الأمني، ما السيناريوهات المتوقعة؟.

الرفض الإسرائيلي لا يمنع التحرك الفلسطيني، عن مواصلة الجهد تجاه المبادرات المختلفة، وفرنسا أعلنت أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية، إذا لم تتعاطى إسرائيل مع مبادرتها، وإعتراف فرنسا، يعني إعتراف الإتحاد الأوروبي، وهذا يزيد من حجم المقاطعة التي تعاني منها إسرائيل، وفي حال عقد المؤتمر الدولي، سيزيد الضغط عليها من خلال أكثر من (30) دولة، ستتخذ مواقفها من إسرائيل.

الكل يدرك أن إسرائيل سترد بكل الوسائل أمام مواقف كهذه، خاصة فيما يتعلق بوقف التنسيق الأمني، وتحديد العلاقة معها، والأجواء العامة تساعدها في ضوء الإنقسام الفلسطيني، والأحداث المتسارعة في الدول العربية من جهة، ومرحلة الإنتخابات الأميركية حيث يكون المرشحون والمتنافسون على الرئاسة، أكثر تجاوباً وانسجاماً مع المواقف الإسرائيلية.

– وما الخطوات العملية لمواجهة أي رد إسرائيلي محتمل؟.

أولاً وأخيراً، يجب أن تعمل القيادة الفلسطينية على إنهاء الإنقسام، هذه هي القضية المُلحّة، ولم تعد مسألة هامشية فلسطينية، فهي تمس المشروع الوطني الفلسطيني، ويحب أن يكون هناك جهد إضافي ومكثف لإنهاء الانقسام.

– ما هي القعبات التي تعترض إنهاء الإنقسام؟.

أنا زرت غزة، وشاركت باجتماع الشاطىء في غزة، والقعبة الآن هي عدم توفر الثقة بين حركتي فتح وحماس، وكل منهما يعمل ضمن مشروع.. الأخوة في حماس يعتبرون وجودهم في غزة ضمانة وحماية، وهذا لا يجوز، لأن المصلحة الوطنية تعطي ضمانات أكثر من السيطرة على غزة، وهذا يحتاج لجهد ومكاشفة وتوضيح، وشراكة سياسية حقيقية، ورغم الجهود التي تُبذل من قبل القيادة الفلسطينية، وبعض الأطراف العربية، كالدوحة والقاهرة، لكن حتى الآن لم نصل إلى مستوى أن يكون العمل الوطني الفلسطيني، فيه من الثقة، ما يُشكّل الضمانة للجميع، وهنا نؤكد على أهمية الحورات التي جرت مؤخراً في قطر، وبالمناسبة، خلال اجتماع الشاطىء، توصلنا لإتفاق في زمن قياسي، وبالتالي عندما تتوفر الثقة والإرادة السياسية لدى الجميع، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بمشاركة حركة حماس، والذهاب إلى إنتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني في المرحلة القادمة، سينتهي الإنقسام، وهذا يحتاج إلى جهد وإرادة، وأن لا “يُعاير” بعضنا بعضاً، فكلنا في مأزق.

المطلوب، ايجاد الثقة، من خلال حوار وطني شامل، والخروج من حالة الثنائية، فتتشكل حالة وطنية فلسطينية، وتوضع خطوات عملية، ويتم العمل على تنفيذها بدقة، بمشاركة الكل الفلسطيني، والإتفاق على البرنامج الذي يحكمنا على الأرض، ونواجه به الاحتلال الإسرائيلي.

– كيف تفسر تراجع الزخم الشعبي للإنتفاضة الأخيرة؟.

عوامل كثيرة أدت إلى تراجع الزخم الشعبي، لم يتم التعاطي مع الجهد الذي بذله الشباب المنتفض، بالقدر الكافي من الدعم، علماً بأنه كان هناك قراراً واضحاً لدى الجميع بدعم هذه الإنتفاضة وتطويرها، وضمان استمرارها، لكن حجم الدعم من الفصائل والمؤسسات الرسمية، كان أقل من المطلوب، وبالتالي الكل يتحمل مسؤولية هذا التراجع، والمطلوب وقفة جدية، وإعادة تفعيل وتطوير واتساع دائرة هذه الهبة الجماهيرية، التي أعطت نتائج باهرة، سواء على المستوى الفلسطيني أو الدولي، بحيث وضعت القضية الفلسطينية في مقدمة جدول أعمال العالم بأكمله، وهذا يتطلب جهد من الجميع، ويتحمل المسؤولية عنه كافة فصائل العمل الوطني.

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *