اللاجئون لا زالوا يحلمون بالعودة.. النكبة: “جمعة مشمشية” امتدت لـ(68) عاماً.. وحقول القمح لا زالت تنتظر الحصاد

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

 لا يخلو مخزون الذاكرة لدى اللاجئين الفلسطينيين، من قصص تتحدث عن ألم “النكبة” وما خلفته من نكبات أخرى متلاحقة، لا يوجد ما يؤشر على انتهائها طالما استمر الإحتلال الغاشم، الذي لا زال يجثم كجمرة خبيثة، على صدر الشعب الفلسطيني، وأرضه، لكن يقينهم بالعودة، يبقى مصدر قوتهم، إذ يستلهمون منه الشجاعة والصبر.

وكثيراً ما تسمع هؤلاء، يرددون في كل عام، ما حدث في جريمة النكبة، ومعاناة اللجوء، حوادث ومجازر.. تشريد وخوف.. قتل وإرهاب.. ليعاودوا التأكيد على آمالهم وتمسكهم بالعودة، حتى لو كان ذلك من خلال الأجيال التي لم تسمع بالنكبة، إلا من خلال روايات الآباء والأجداد.. هؤلاء الذين “أُخرِجُوا من ديارهم بغير حق” فقدوا كل شيء، أرضهم، منازلهم، أشجارهم.. ومدنهم وقراهم، لكنهم لم يفقدوا أمل العودة، بالرغم من قسوة الزمن، الذي أطال عليهم عودتهم.

تمرّ الذكرى الـ(68) لنكبة فلسطين، ولا زال الجرح ينزف، والنكبات تتوالى، فيما الألم يزداد..  كلما مر عام جديد، فاللاجئون من أبناء “جيل النكبة” لا زالوا ينتظرون بفارغ الصبر، وبحماسة شديدة، تبدو جليّة على وجوههم، ونبرة أصواتهم، التي لا تخلو من الحزم، فتراهم يتكلمون عن قراهم، حصادهم وحراثة أرضهم، وذكريات آبائهم وأجدادهم، وكأنهم عاشوا الحدث، تجدهم يلمّون بقدر لا يستهان به من التفاصيل التي رسخت في أذهانهم، وحُفرت في ذاكرتهم على مدار السنين الطويلة، التي ملأتها أحاديث الآباء والأجداد حزناً وحسرة، على قرى دُمّرت وشعب شُرد وهُجّر، إلا أنها زادتهم في الوقت ذاته، إصراراً على تنفيذ الوصية، وحفظ الأمانة، حتى يأتي يومها الموعود.. فالمفاتيح الحديدية، وأوراق الطابو، لا زالت تنتظر يوم العودة.

 مشاهد مؤلمة:                                     

 المواطن محـمد العناتي (70) عاماً، لا زال يذكر والده، عندما حمله وهو مريض على ظهره، ولم يكن يتجاوز حينها الأربعة أعوام، ليمشي به من اللد حتى يصلوا الى أحد مخيمات اللاجئين في غزة، كما لا زال يحمل ذكريات جميلة عن حقول الذرة والزيتون وأشجار الحمضيات، ويقول: “بالرغم من أني كنت طفلاً، الا أنني لا زلت أذكر مشاهد مؤلمة وشاقة في طريقنا الى مخيمات اللاجئين في غزة.. لم نتمكن من البقاء هناك لمدة طويلة، وهاجرنا الى مخيمات الضفة بسبب قلة العمل”.

وحول هجرة أهالي اللد قسراً بعد مذبحة مسجد دهمش التي أودت بحياة (160) فلسطينياً، يقول العناتي:  “دخلت العصابات الصهيونية إلى المسجد وقتلت جميع من فيه وغالبيتهم من الأطفال والشيوخ، وأغلقت المسجد على الجثث، حيث لم يسمح لأحد بدفنهم”، وفي خضم حديثه عن النكبة، يستذكر العناتي والده الذي كان يتحسر على غلة الزراعة، والمحاصيل وأشجار الزيتون، وبيارات الحمضيات، مقارناً ذلك بوضعهم المعيشي في مخيمات اللاجئين وقلة الخدمات، عندما خرجوا حفاة عراة يمشون تارة، ويركبون الحمير تارة أخرى.

ويعود علي يوسف (87) عاماً بذاكرته إلى الوراء، عندما دخلت احدى العصابات الصهيونية قرية أبو شوشة قضاء اللد، وخلّفت فيها الشهداء والجرحى، حيث اختبأ أهالي القرية الناجين في منطقة بالقرب من مكان “الولي”، وآخرين توجهوا للإختباء في “المغر” كي يحتموا من نيران الرصاص وقذائف المورتر.

ولا زال القمح أخضر:

 أما الحاج شاهر الخطيب (75) عاماً، من قرية البرج قرب الرملة، فيروي هجرة عائلته، ويقول وهو يضرب كفاً بكف، في دكانه الصغير بالمخيم: “خرجنا مع أهالي عدد من القرى المجاورة، ومنها: بئر إم معين، برفيليا، أبو شوشة، وجمزو.. حملنا من هم أكبر منا سناً، وكان معنا بعض الجمال، وكانت الناس تواسي بعضها بعضاً، بأنها بضعة أيام وسنعود!!.. وتركنا وراءنا القمح أخضر وطويلاً، ولا زال ينتظر الحصاد.. والشعير مجموع في أكياس على البيدر، وكنّا آخر من خرج من القرية، أنا وإخوتي الثمانية وأمي.

 “النعاني” أجمل القرى:

 وبعيداً عن المجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية في القرى والمدن الفلسطينية في عام النكبة، يصف محمود أبو شلباية (78) عاماً، قرية النعاني التي ينحدر منها بأنها “من أجمل القرى الفلسطينية”، مشيراً الى أنها كانت تشتهر بزراعة الخضار والفاكهة، وتعتبر من أكثر الأراضي خصوبة بسبب قربها من مدينة الرملة،

ويقول: “كنت في الرابعة عشرة من عمري، عندما تم تهجيرنا من القرية، حيث كان يفلح المزارعون أرضهم ويجلسون في ملكهم”، مؤكداً على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، مشدداً على عدم التنازل عن هذا الحق، الذي كفلته المواثيق والشرائع الدولية.

ولفت أبو شلباية الى أنه لم يشعر يوماً باليأس بالرغم من سوء الوضع المعيشي في المخيمات، ويضيف: “أملي بالله كبير بأن النصر قريب، وإذا لم أتمكن من العودة، سيقرع أبنائي أو أحفادي أو أبناء أحفادي، أجراس العودة من بعدي”.

وتجلس الحاجة آمنة محمود (82) عاماً، على درج منزلها في أحد شوارع مخيم الأمعري الضيقة، وتقول: “هون العيشة خراب الديار”، وأحياناً “كالقطران”، وتستذكر قريتها “عنابة” التي تقع الى الجنوب الشرقي من مدينة الرملة، عندما كانت “تسرح وتمرح” في الأراضي الواسعة، بدلاً من التواجد في مخيم متلاصق البيوت، ويعاني أفراده من قلة الخدمات.

 ويفتقد حسين أصلان (68) عاماً من مدينة يافا، العلاقات الأسرية بسبب تشتت أفراد عائلته في عدد من المخيمات في الضفة الغربية وغزة وبعض الدول العربية، منذ تشريدهم في العام (1948)، معتبراً “ان المخيم مجرد مأوى، ولا يعني لي شيئاً، فأنا انتظر العودة إلى بلدي وأرضي وبيتي، ولا يمكن تعويضي بأي شيء آخر سوى العودة إلى يافا”، ويقول: “علينا أن نزرع حب الأرض في نفوس الأجيال المقبلة، فهذا يبقيهم متمسكين بجذورهم وأصولهم التي انحدروا منها”.

 الوفاء للمكان:

 ويروي محمـد إبراهيم (48) عاماً من قرية النعاني قضاء الرملة ويسكن في مخيم الأمعري، أحداث الزيارة المؤثرة التي التي قام بها بصحبة والده إلى قريتهم، قبل عدة سنوات، ويقول: “شعرت وكأن أحداً يمسك بقلبي حين رأيت القرية للمرة الأولى، وتمنيت لو أستطيع البقاء فيها إلى الأبد”.

ويضيف: “قرية النعاني، قرية في غاية الجمال وأرضها خصبة، تغطيها أشجار البرتقال، حتى أن هواءها مختلف، لقد رأيت فيها آثار البيوت المهدمة، كما تلقيت شرحاً مفصلاً من والدي عن أرضنا وأملاكنا، وأخبرني عن أبرز المعالم في القرية، كسكة الحديد والطرق المؤدية إلى القرى المجاورة، وهذا ما جعلني أشعر بالانتماء لهذا المكان”.

أما سعود عزت (30) عاماً من مدينة اللد ويسكن في مخيم الأمعري أيضاً، فعبّر بدوره عن اشتياقه وحنينه إلى اللد، التي زارها أكثر من مرة، وتمنى البقاء فيها، لكونها أرضه وأرض أجداده التي لن يتنازل عنها أبداً، فهي تمثل له الحياة بأكملها.

 وفي هذا الإطار، يقول نضال طرشة (45) عاماً من قرية عنابة قضاء اللد، ويسكن في مخيم الجلزون، عن المشاعر التي يكنها لقريته التي زارها عدة مرات: “عندما زرت القرية شعرت بالإنتماء إليها، مع أنني لم أعش فيها اطلاقاً، أكثر من شعوري بالإنتماء إلى مخيم الجلزون، الذي أقيم فيه منذ ولادتي، خصوصاً مع تكرار الزيارات، والإستماع إلى أحاديث كبار السن وذكرياتهم فيها”.

من جانبه عبّر صالح زيادة (32) عاماً من قرية ساريس قضاء القدس، ويسكن في مخيم قلنديا، عن شعوره بالألم والحسرة والظلم عند رؤية أوراق الطابو التي تخص جده، حيث يشعر أن شيئاً ما ينقصه، في حين يصف خالد علي (50) عاماً من قرية أبو شوشة ويسكن في مخيم الأمعري، قريته التي زارها عدة مرات واندهش من جمالها، حيث المساحات الخضراء الواسعة المزروعة بمختلف أنواع الأشجار، فلا تزال آثار البيوت المهدمة قائمة حتى الآن، ومنها “فرن أبو شوشة” الذي لا تزال آثاره ماثلة  للعيان، أما “إسطبل الخواجا” فباق على حاله كما كان قبل (68) عاماً، ويقول: “تم تحويل معظم أراضي القرية الى أراض زراعية، يُزرع فيها البطيخ والمشمش والخوخ”، ويضيف: “أتمنى أن يرجع إلى قريتي كي أزرعها وأحصدها، وأستمتع بجوها ومناظرها الخلابة، التي لن تغيب عن ذاكرتي إلى الأبد”.

 جمعة مشمشية.. (68) عاماً!!

 ويشعر الحاج عبد العزيز أحمد سرحان “أبو غسان” (80) عاماً من قرية التينة قضاء الرملة ويسكن في مخيم قدورة قرب رام الله، بالحزن والأسى في ذكرى النبكة، التي يعتبرها بمثابة يوم أسود في تاريخ الشعب الفلسطيني.

وتعود الذكرى بأبي غسان إلى ما قبل (68) عاماً، عندما تلقى المواطنون الفلسطينيون الرسائل من العصابات الصهيونية لتسليم السلاح والثوار، ورفضوا ذلك رفضاً تاماً حتى بعد مهلة الـ(أربعة أيام) التي منحتهم إياها تلك العصابات، مشيراً الى أن جنوداً مدججين بشتى أنواع الأسلحة الأوتوماتيكية، طوّقوا قريته من جهاتها الأربع، وبدأوا بصب غضبم ونيرانهم تجاه أهلها ومنازلهم، فقتلوا ما قتلوا من سكانها، بينما رحل الآخرون، دون أن يأخذوا معهم شيئاً من أمتعتهم، باستثناء مفاتيح منازلهم.

ويضيف أبو غسان: “كان يوماً حزيناً ومؤلماً، هناك من رحلوا دون أن يتمكنوا من أخذ أولادهم معهم، وهناك العديد من النساء ولدن في الطريق، لقد أوهمونا أنها “جمعة مشمشية” وسنرجع، وها هي الجمعة تستمر (68) عاماً، والحبل على الجرار، لقد (عفّن) المشمش، قبل أن نعود”.

ويؤكد أبو غسان أنه زار قريته “التينة” أربع مرات مصطحباً أولاده معه ليعرفهم بأرضهم، مشيراً الى أنه أوصى أبناءه بعدم التفريط بهذه الأرض، حتى لو تم إغراؤهم بمال الكون.

ويصف زيارته الأولى إلى قريته قائلاً: “ذهبت لأحضر كتبي وبعض العسل من المنحلة التي كنت أعتاش من ورائها، فوجدت كل شيء قد دمّر، حتى المنازل كانت موحشة وأبوابها مفتّحة، ولا شيء موجود مكانه، وكأن اعصاراً ضرب القرية”.

ويرى أبو غسان أن حل قضية اللاجئين يأتي فقط من خلال عودة أصحاب الأرض إلى قراهم حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194)، الذي يُمكّن اللاجئين الفلسطينيين من الحصول على حقهم في العودة والتعويض.

ولدى سؤالنا لأبي غسان هل تتوقع العودة إلى قريتك، أجاب على الفور: “أملي بالله كبير أن أرجع الى التينة.. دائماً أرى نفسي فيها، ويومياً أتجول في حاراتها”.

 

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *