عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية قيس عبد الكريم في حوار مع “الشروق”: إنهيار العملية السلمية مأزق استراتيجي

الشروق – أجرى الحوار محمـد الرنتيسي:

اعتبر النائب قيس عبد الكريم “أبو ليلى”، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أن المسار الذي افتتحه اتفاق أوسلو، انتهى بالمشروع الوطني الفلسطيني، إلى مأزق استراتيجي، مشدداً على أن هذا الأمر كان مرئياً منذ البداية، فليس هناك في نصوص الاتفاق، ولا في الوقائع الموضوعية التي حلّفتها آليات تطبيقه على الأرض، ما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة، على حدود الرابع من حزيران العام (1967)، في نهاية المرحلة الانتقالية، التي لم يترك الاتفاق خياراً سوى تمديدها التلقائي، بعد انتهاء السنوات الخمس المفترضة، كما ليس في هذا الإتفاق، ما يمنع استفحال التوسع الاستيطاني، الذي قاد إلى مضاعفة عدد المستوطنين، أربع مرات، منذ بدء تنفيذه.

وأوضح عبد الكريم، أنه بعد أكثر من عقدين من الزمن، فإن الجميع يُسلّم بالحاجة إلى استراتيجية جديدة للعمل الوطني، تُمكّن من اختراق هذا الطريق المسدود، لافتاً إلى أن العنصر الجوهري في هذه الاستراتيجية، يتمثل في زيادة كلفة استمرار الاحتلال، إلى الدرجة التي تُرغم إسرائيل، على البحث عن حل سياسي، غير أن هذا لن يتحقق إلا عبر محاور ثلاث: الأول تصعيد المقاومة الشعبية على الأرض، حتى تتحول إلى إنتفاضة شاملة، والثاني تكثيف العمل لعزل إسرائيل، قوة الاحتلال، على الصعيد الدولي، ومساءلتها على جرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي، وصولاً إلى فرض العقوبات عليها، والثالث إعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال، بحيث تكُف السلطة الفلسطينية عن أداء التزاماتها بحماية المصالح الأمنية والاقتصادية لإسرائيل، في المناطق المحتلة، بينما تتنكر الأخيرة لالتزاماتها بموجب الاتفاقات المبرمة.

وشدد “أبو ليلى” على أن توفير مقومات النجاح في التقدم على هذه المحاور الثلاثة، يتطلب تصليب وتمتين الوضع الداخلي الفلسطيني أولاً، عبر إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، والتجديد الديمقراطي لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بمشاركة كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وثانياُ عبر تعزيز تماسك لُحمة وصمود المجتمع، بانتهاج سياسة اقتصادية اجتماعية، تتوخى العدالة في توزيع عبء المواجهة مع الاحتلال، بين مختلف طبقاته وشرائحه.

وأكد عبد الكريم، أن المقامة الشعبية هي إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية الجديدة المطلوبة، مبيناً أن في الظروف الراهنة، ثمة ما يشبه الإجماع على أن المقاومة الشعبية هي الشكل النضالي الأنسب، والأكثر فاعلية، والذي يمكن أن ترتكز إليه الإستراتيجية الوطنية المطلوبة.

هذه الموضوعات، وأخرى، شكلت محاور مفصلية، في الحوار الذي أجرته (الشروق) مع النائب والقيادي الفلسطيني، قيس عبد الكريم، في ظلال الذكرى السابعة والأربعين لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وفي السطور التالية نصه:

– بداية، كل عام وأنتم بخير، لمناسبة ذكرى انطلاقة الجبهة الديمقراطية الـ(47)، هذا الفصيل الذي آمن بالكفاح المسلح منذ انطلاقته، وقدم تضحيات كبيرة على مذبح الحرية.. هذا العام تتزامن ذكرى الانطلاقة، مع انطلاقة انتفاضة ثالثة، ما الرسائل التي تحملها “الديمقراطية” في ذكرى تأسيسها؟.

الجبهة الديمقراطية، هي أول من أشار إلى الانتفاضة، وهذا الشكل المميز من أشكال النضال الوطني، الذي ينسجم مع ظروف الشعب الفلسطيني، ونضاله لنيل حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها دولة مستقلة على حدود حزيران العام (67) وحق العودة، وبالتالي ليس من الغريب أن تكون الجبهة سبّاقة في رؤية تجدد الانتفاضة، فهي السبيل الوحيد للخروج من ما زُجّت به القضية الفلسطينية من مسار أوسلو العقيم، الذي أدخل قضيتنا في دهاليز معتمة ولاء ضوء في آخرها.. الهبة الجماهيرية كانت ولا تزال مقدمة لانتفاضة شعبية، وليست أمراً تلقائياً، وها يتطلب جهداً وطنياً لكل القوى المناهضة للاحتلال، بتوسيع دائرتها لتشمل كافة طبقات الشعب، كي تتحول إلى انتفاضة شاملة.

– لنبقَ بموضوع الانتفاضة.. هناك تجارب سابقة مع الهبّات والانتفاضات الشعبية، وبعضها لم يُستثمر كما يجب، هل من مخاوف على الانتفاضة الحالية، وماذا تتوقعون لها؟.

المخاوف من الوضع الداخلي، ومن البيت الفلسطيني، فهذه الهبّة فرضت نفسها كعنوان للإجماع الوطني، في ظل انسداد الأفق السياسية، التي رسمت معالمها اتفاقيات أوسلو، والإجماع الوطني يقول بأنها هي السبيل الوحيد، وهو إجماع ظاهري وليس حقيقي في العمق، فهناك شرائح شعبية لا زالت مترددة بالإنخراط  في الأسباب التي تدعم هذه الانتفاضة، فهي تعارض “ولو في الخفاء” استمرار الانتفاضة، وتحديداً تحوّلها لانتفاضة شاملة، هذا هو الواقع الراهن، لكن الانتفاضة هي مبادرة من جيل الشباب، وانطلقت بقرار من الشباب، وهي إعلان من هذا الجيل برفضه لواقع الاحتلال، المستمر تحت غطاء عملية سياسية عقيمة، لا تؤدي إلى نتيجة.

خلال السنوات الماضية نمت المقاومة الشعبية واتسعت دائرتها، فبعد أن كانت محصورة في بؤر اشتباك معينة في القرى المتضررة من جدار الفصل العنصري، انتقلت منذ مطلع أكتوبر الماضي، إلى طور جديد مع اندلاع الهبة الشبابية، التي تشكل مرحلة على طريق تطورها إلى انتفاضة شاملة، وما يلجأ إليه شبان غاضبون من وسائل بدائية، للرد على عنف المحتلين والمستوطنين، ليس سوى وجه من أوجه الهبة، فالوجه الرئيسي هو المواجهات الجماهيرية، التي انتشرت في جميع مواقع التماس، بين الشبان المنتفضين وقوات الاحتلال.

– عُرفت هذه الانتفاضة بأنها “بلا أب”.. ودون تدخل مباشر من الفصائل والتنظيمات الفلسطينية المختلفة، هل ستتركون الانتفاضة تقطع الطريق لوحدها، وكيف يبرز دور الفصائل الوطنية في إسنادها؟.

النواة الصلبة من الشباب المنتفض هم من التنظيمات، لكن الكثير من التنظيمات شعرت بالحيرة، وربما بالتردد حيال الانتفاضة، ويعود السبب لبعض القضايا والمواقف الخاصة بكل فصيل، وهناك جهود تُبذل لتجاوز هذا الوضع، كي لا يستمر الوضع بصورة عفوية، والمطلوب أولاً إنهاء الإنقسام الأسود، وتنفيذ قرارات اتفاقيات المصالحة، وتشكيل قيادة وطنية موحدة تدير فعاليات الانتفاضة، من حيث الأسلوب والتكتيكات، كي نتفادى أخطاء الانتفاضات السابقة، وتراجع المشاركة الجماهيرية فيها.

هناك ثمة إجماع بين الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، على ضرورة الحفاظ على هذا الطابع الجماهيري الغالب للهبة الشعبية، والابتعاد بها عن “العسكرة” أي تفادي الإنجرار إلى ساحة الصراع التي يتمتع فيها العدو بتفوق واضح، وهي ساحة المواجهة المسلحة، وبرأيي فإن مسار الأحداث يشير إلى أن التكتيكات التي طورتها الهبة الشعبية، تكفي لتحقيق هذا الهدف.

– لننتقل إلى موضوع العلاقة مع إسرائيل، أكثر من مسؤول فلسطيني أكد أن هذا العام سيكون عام تحديد العلاقة مع إسرائيل، دون توضيح حول طبيعة هذه العلاقة، بماذا تطالبون أنتم في الجبهة الديمقراطية؟.

من المؤكد أن تطور الهبة الراهنة، إلى انتفاضة شاملة، هي عملية تتفاعل بقوة، وهي تُعذي المحاور الأخرى للإستراتيجية الوطنية المنشودة، بالتدويل وفك الإرتباط مع الاحتلال، والتقدم بخطوات أكثر جرأة لعزل إسرائيل، ومساءلتها دولياً، ومنذ انهيار العملية السلمية العام (2010)، أكدنا أن هذا الإنهيار ليس عرضاً مؤقتاً، بل هو مأزق استراتيجي، لا يمكن الخروج منه بالطرق التفاوضية الدبلوماسية، ومنذ ذلك الحين، دعونا إلى مبادرة رسمية في آذار (2011) لاعتماد استراتيجية وطنية، ترتكز على ثلاثة محاور: تطوير المقاومة الشعبية، وتعزيز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين بما يمكّن من استخدام أدوات القانون الدولي في مساءلة إسرائيل وفرض العقوبات عليها ووقف التنسيق الأمني والمقاطعة الاقتصادية، وأخيراً إعادة النظر بالعلاقة مع إسرائيل، فلا يعقل أن تؤدي السلطة الفلسطينية التزاماً من جانب واحد، بينما إسرائيل تدير الظهر لكل الاتفاقيات.

وكيف يمكن لهذه المحاور الثلاث أن تنجح؟.

النجاح لهذه المحاور، بحاجة إلى مقومات، أبرزها تجديد ديمقراطي شامل لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز لُحمة المجتمع، بما يضمن العدالة في توزيع عبء المواجهة، ويجب أن لا يبقى الاجماع الوطني كالصارخ في البريّة، من خلال تطبيق قرارات المجلس المركزي التي تم اتخاذها في آذار (2015)، وأنا أرى أن هذا الإجماع ظاهري أكثر منه حقيقي، فلا زالت هناك شرائج إجتماعية ترفض خوض المواجهة مع الاحتلال، خوفاً على الامتيازات التي يوفرها واقع التعايش مع هذا الاحتلال.

– طبقاً لهذا الحال، ما السيناريوهات المتوقعة، لا سيما وأن هناك جهات “وفق تعبيركم” ترفض الانتفاضة ولا تريدها؟.

نحن واثقون من أن استمرار الانتفاضة، قادر على تغيير المناخ الداخلي، من خلال الضغط الشعبي المتواصل، وهذا سيؤدي فعلاً إلى ضرورة تطبيق قرارات المجلس المركزي، وقد قطعنا أشواطاً في هذا الاتجاه، ففي شهر تشرين الثاني الماضي، أقرّت منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك المجلس المركزي، خطة متكاملة فيما يتعلق بوقف التنسيق الأمني واعتماد نهج المقاطعة الاقتصادية الشاملة للاحتلال، هذه الخطوات ستعزز استمرارية الهبة الشبابية، وتوسيع دائرة الانخراط فيها، حتى تتحول إلى انتفاضة شاملة، وهذا سيعزز الثقة في صفوف طلائع الشباب الكفاحية الجديدة.

– القضية التي شكّلت حديث الشارع الفلسطيني مؤخراً، ممثلة باغتيال الأسير المحرر، والقيادي في الجبهة الشعبية عمر النايف، في بلغاريا، ولا شك أن أصابع الاتهام موجهة إلى الاحتلال، لكن هناك حديث عن أيد “ملوّثة” بهذه الجريمة، من المسؤول عن اغتياله، وكيف يمكن أن نحمي السفارات الفلسطينية في الخارج؟.

علينا أولاً، التأني والحذر في حالات كهذه، والابتعاد عن تقاذف الاتهامات فيما بيننا، في المسؤولية عن أية تقصيرات يمكن أن تكون وقعت، وسهّلت على الاحتلال مهمته.. هناك لجنة تحقيق بدعم وطني شامل، تضم رفيق من الجبهة الشعبية، وزارة الشؤون الخارجية، ومنظمات حقوق الإنسان، وعلينا أن ننتظر عمل اللجنة، أما مسألة حماية السفارات، فكما هو معلوم، فهذه ليست مسؤوليتنا، وهي تقع على مسؤولية الدولة المضيفة، ولا شك أن المشكلة ناتجة عن أن السلطات البلغارية، كانت تريد أن يتم تسليم النايف لإسرائيل، حسب الاتفاقيات بين الدولتين، وبالتالي ليس من المناسب أن نكون بمسألة خلاف داخلي فلسطيني، في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال ارتكاب جرائمه.

– مسألة أخرى هي محط اهتمام كبير، الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، لا سيما بعد لقاءات الدوحة الأخيرة، الفتحاويون يقولون إنها خط أحمر، والحمساويون يعتبرونها ضرورة مُلحّة، بينما على الأرض، لا يوجد ما يعزز هذه الأمنيات، ما الجديد بهذا الشأن، وهل من دور لجبهتكم بهذا الاتجاه؟.

لا زلنا ضحية للمساومات المعيبة، لتقاسم السلطة، هناك يريدون السيطرة على غزة، وهنا من يريد الحفاظ على موقعه دون مشاركة أحد، إلى أن يستعيد دوراً في غزة، ونحن من جانبنا نقول: إن بقاء المصالحة رهينة للتجاذبات، أمر ليس في المصلحة الوطنية، ولا المساعي المبذولة لإنهاء الانقسام، هناك اتفاقيات وُقّعت في القاهرة، ليس بين حماس وفتح فقط، بل وقّعها (14) فصيلاً، من خارج وداخل المنظمة، غير أن التجاذبات بين الفصيلين، أعاقت تنفيذ هذه الاتفاقيات، وبقيت الآليات التنفيذية لهذه القرارات، رهناً بالحركتين، وبرأيي موضوع المصالحة ليس شأناً ثنائياً، بل أن يجب أن يُبحث بين الأطراف الـ(14) التي وقعت عليه.

نحن باركنا الجهود التي بُذلت للقاء الفصيلين من جديد، ونثمن هنا دور الدوحة في إزالة عوامل الخلاف،  لكننا نؤكد في ذات الوقت، أن الحل لمشكلة الانقسام، هو حل وطني شامل،  ويجب أن يتم في الإطار الوطني.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *