الشهيد هيثم ياسين.. شهادة تأجلت عشر سنوات

رام الله – كتب محمـد الرنتيسي:

في كل يوم نودع حبيباً بثياب الدم، التي تنطق من خلالها رائحة الورد والياسمين المجللة بالرفعة والطهارة، وربما لا تسمح لنا مشيئة الله حتى برؤيته قبل الرحيل.. والمرء قد لا يصدق أنه الرحيل، فتبقى في مخيلته تلك الصورة مرتسمة بشفافية وردية حزينة.. تتخيله يسير في الشوارع، وربما تتخيل صورته وهي ترتسم على أضلع النخيل أو على صورة القمر، أو جذوع الزيتون، أو على خارطة الوطن.. فحين تفقد رمزاً من الرموز تتجهّم خارطة الوطن.. والوطن المجروح كوطننا الفلسطيني، ربما يكتب بأحرف من دماء رثائية لهؤلاء الفتية والشبان، الذين أحبّوا التضحية، ووهبوا أنفسهم وما يملكون لقضيتهم ووطنهم، حتى نسوا أنفسهم في الخصم، وعندما تنتزعهم الأقدار من بيننا، نشعر بقيمة هؤلاء!!.

والشهادة حدث عظيم، يحتفل به أبناء شعبنا الفلسطيني يوماً بعد يوم.. إنهم بهذه الدماء الزكية يخُطّون حدود الوطن من البحر إلى النهر.. لتحيي هذه الدماء أزهاراً للحرية، في كل قرية.. في كل مخيم ومدينة.. فيرتفع كل يوم نجم يعلو سماء الوطن، ليضيء للأجيال طريق الهدى.

لم يعد الشاب هيثم ياسين (36) عاماً، يحنّ إلى قهوة أمه الصباحية، ولن يعود أبداً إلى ذلك الحنين، فأنى له ذلك، وقد غادر أسرته إلى غير رجعة، لكن روحه ستظل تطوف في المكان، وسيشعر الكثيرون من محبيه بروحه حولهم، ليتذكروا أيامه التي قضاها بينهم، حين كان ينشر الفرح والسرور في كل مجلس يلم به.

استشهد هيثم، ورحل عن العالم، لكن ذكراه لن ترحل، وستبقى خالدة، ذلك أن من عرف هذا الشاب الخلوق، الجاد في عمله، المخلص لوطنه، سيصعب عليه نسيانه، لا سيما وأن له أهل وأصدقاء ومعارف ومحبين، كانوا يودّون لو ينهض من إصابته معافى، لكن كيف له ذلك، وقد إصابته رصاصات غادرة، كانت تريد لروحه أن تقضي فوراً!!.

تقول ميرفت سوالمة، إبنة عصيرة الشمالية، أن الشهيد هيثم، أصيب برصاص الاحتلال العام (2006)، في محيط حاجز الـ(17) قرب البلدة، بعد أن استفزه مشهد مضايقة جنود الاحتلال لفتيات البلدة، لدى عبورهن أحد الحواجز العسكرية الاحتلالية، فانتصر لهن وهاجم الجنود بحجارته، لكنهم أصابوه برصاصة حملها في جسده، ونجا من الموت بأعجوبة، بينما تأجل استشهاده (10) سنوات.

وأضافت: “تعرض لإعاقة نتيجة لإصابته، وبدأت تظهر عليه بعض الإضطرابات النفسية، خصوصاً بعد أن بقي وحيداً، واستقر في بيت عمه، إذ عاشت عائلته لفترة طويلة في الجزائر، قبل أن تعود مؤخراً.. هيثم انتظر عائلته وودعها ثم رحل”.

وتوضح سوالمة، أن هيثم كان دائم الحديث عن الشهادة، وكان يحلم بخطبته من حواري الجنة، وعُرف بتدينه، إذ كان ملازماً للمسجد، لا يكاد يخرج منه حتى يعود إليه، وفي بيت عزائه، كان شبان الحي، يصبون القهوة السادة لجموع المعزين.. هكذا كان يفعل هيثم في بيوت عزاء شهداء البلدة.. كان مرحاً لا تفارق الابتسامة محياه، مثيراً للحيوية والنشاط في كل مجلس يلم به، يأسر الناس من حوله ويؤثر فيهم، حنوناً ولطيف المعشر مع أهله، عنيداً مع الاحتلال.

في يوم استشهاده، خرج هيثم الجريح سابقاً، والشهيد لاحقاً، ووصل إلى مدخل البلدة، كان يحمل في يده عبوة ماء، فعاجله جنود الاحتلال بأكثر من عشر رصاصات، بدعوى محاولته تنفيذ عملية طعن!!.. ليرتقي شهيداً خلال لحظات، ويكون الحزن سيّد الموقف في عصيرة الشمالية، التي ناحت على فراقه.

والدته، أصيبت بصدمة من هول المصاب، لكنها لبّت نداء شباب عصيرة، وودعته بزغرودة، ما أثر في جموع المشيعين، الذين حملوا على أكتافهم الشهيد هيثم، الذي بدا خجلاً من دمع أمه.

سيسأل أطفال الحي، عن هيثم، الذي خرج منه في الصباح ولم يعد إلا مودّعاً للمرة الأخيرة، سيبحثون عنه، وستبكيه والدته آناء الليل وأطراف النهار، وستحنّ لقهوته معها، التي ظل محافظاً عليها حتى استشهاده، لكنها ستدرك أخيراً، أن لغة الدم لها رأي آخر، غير لغة المستقبل، الذي أرادت أن تبنيه لهيثم.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *