الناطق باسم “الجهاد الإسلامي” أحمد العوري في حوار خاص: الحديث عن وقف الانتفاضة أصبح وراء ظهورنا.. ولا مشاركة بالانتخابات قبل انتهاء “أوسلو”

حوار محمـد الرنتيسي:

اعتبر الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، أحمد العوري، أن الانتفاضة الفلسطينية، حققت في غضون بضعة أشهر، ما عجزت عن تحقيقه المفاوضات خلال أكثر من عشرين عاماً، مؤكداً أنها نجحت في التصدي لمخططات الاحتلال، بفرض التقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى المبارك، كما أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لافتاً إلى أن الحديث عن وقف الانتفاضة، أصبح وراء الظهر.

وجدد العوري في حوار مع صحيفة “الوطن” القطرية التأكيد على أن حركته تدعم جهود ومساعي تحقيق المصالحة الفلسطينية، غير أنها ترفض “المحاصصة” بين حركتي حماس وفتح، مؤكداً أن الوطن للجميع، ويجب أن يشارك في بنائه الجميع، معتبراً أن الانقسام أخطر على القضية الفلسطينية من الاحتلال، ويجب أن ينتهي.

وأعلن العوري، تمسك حركة الجهاد الإسلامي بمقاطعة أي إنتخابات رئاسية أو تشريعية، طالما لم يعلن بشكل رسمي عن وقف العمل باتفاق أوسلو، دون أن ينفي إمكانية المشاركة، وتغيير الموقف إذا ما تغير الواقع، مشدداً: “لسنا ضد الانتخابات.. نحن ضد أوسلو”.. وفي السطور التالية نص الحوار:

– الآن وقد تغيرت معطيات المرحلة الراهنة، كيف تنظرون للمشهد الفلسطيني؟.

بعد عقدين ونصف من المفاوضات العقيمة والعسيرة، منذ اتفاق أوسلو العام (1993)، وحتى أواخر العام الماضي، لم تتمخض أية نتائج، ولم يتحقق أي انجاز سياسي يذكر على الأرض، وكان هناك أمل لدى البعض بتحقيق شيء، من خلال ما يعرف بـ”حل الدولتين”، لكن بعد مرور أكثر من ثلثي ولاية حكم أوباما، شعر الفريق الفلسطيني الرسمي بخيبة أمل، وجاء دور الاتحاد الأوروبي، وبقينا ندور في حلقة مفرغة، وفي ظل الانعطافة الكبيرة التي رافقت تصاعد أحداث الربيع العربي، بدءاً من تونس ومروراً بمصر وليبيا واليمن وسوريا، وفي ظل الوضع العربي المتردي، بدأت القيادة الفلسطينية تفقد الأمل في أن يكون هناك حل للقضية الفلسطينية، وهذا ما دفع الشعب الفلسطيني لاتخاذ قراره بتفجير الانتفاضة، التي يعطيها البعض أوصافاً وألقاباً أخرى، وأنا أسميها الانتفاضة المجيدة والمباركة.

الصحافة الإسرائيلية عزت اندلاع هذه الانتفاضة إلى إهمال السلطة من جهة، وحالة اليأس لدى الشباب الفلسطيني من جهة أخرى.. كيف ترد على ذلك؟.

نحن ندرك أن الشباب الفلسطيني تواق لوضع جيد، لكن هؤلاء الشباب خرجوا بهذه الإنتفاضة رفضاً لأي تدجين، ولقناعتهم الحقيقية بانسداد الأفق أمام أية حلول عادلة، وهم ليسوا مدفوعين باليأس، بل يريدون حياة كريمة لهم ولأبناء شعبهم، ونحن ننظر إلى الواقع من منظور جديد، بمنظور غير أوسلو، لا سيما في ظل الاعترافات الرسمية بعجز المفاوض الفلسطيني عن وقف الاستيطان، كما أن الموقف الرسمي أعلن أن العمل باتفاق أوسلو يجب أن ينتهي، وفي المقابل كان هناك هجمة شرسة للمستوطنين في تلال الضفة الغربية والقدس المحتلة، تزامنت مع الإعلان عن خطة (22) لتهويد مدينة القدس، بدءاً من باب المغاربة، وحائط البراق، الذي يسمية الإسرائيليون “حائط المبكى”.. وهذه الانتفاضة بدأها المستوطنون بجرائم اقتلاع الأشجار، ومصادرة الأراضي، وتوجت بحادثتين إجراميتين، تشابه فيهما الحرق، للطفل المقدسي محمـد أبو خضير، وعائلة دوابشة في قريا دوما بمحافظة نابلس، وهذا ما أدى إلى انطلاق الشباب الفلسطيني للقيام بالانتفاضة المباركة، التي دخلت شهرها الخامس، وقدمت حتى الآن نحو (170) شهيداً، ومئات الجرحى والمعتقلين، وهي مستمرة حتى تحقيق أهدافها بإذن الله، رغم كل المحاولات لوأدها ووقفها، فهذه السياسة أصبحت وراء ظهورنا.

– لكن هناك مخاوف على هذه الانتفاضة فكيف سيبني عليها الفلسطينيون آمالاً مستقبلية؟.

لا ننكر وجود مخاوف على الانتفاضة، وهي للأسف مخاوف فلسطينية، وهذا ناتج عن اختلاف المصالح، فالتوجهات الرسمية اعتبرت أن الانتفاضة ستشكل مخرجاً للمأزق الذي وضعت فيه، فغضّت الطرف عنها في بداية الأمر، لكن سرعان ما توجهت لقمعها، أما الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، فرأت فيها مؤشر على قرب إنهاء الاحتلال لأرضنا،  وهذه التجاذبات تمثلت في قمع أجهزة السلطة الفلسطينية للتظاهرات الشعبية، وتجسدت في محيط المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم قرب مسجد “قبة راحيل” كما أن أجهزة حرس الرئاسة الفلسطينية منعت التظاهر ثلاث مرات، قبالة مستوطنة “بيت إيل” عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة، التي شكلت المكان الأبرز في فعاليات الانتفاضة، وبالتالي فالمخاوف على الانتفاضة تبدو حقيقية، لكن كما يعلم الجميع، فالانتفاضة لم تأخذ إذناً أو قراراً من أحد، ولن تستطيع المؤسسة الرسمية وقفها، لا سيما وأن الشباب الفلسطيني الحالي يعدّ حلقة مهمة في حلقات الصراع مع الاحتلال، لكون هذا الجيل لم يشهد الانتفاضات السابقة، وهو تواق لخوض هذه التجربة النضالية الفريدة.

– الإسرائيليون باتوا يعدمون الشاب الفلسطيني ويضعون سكيناً بجانبه.. هل في ذلك استدراج لليأس المبكر؟.

الاحتلال يلجأ لمحاولات يائسة لوقف الانتفاضة، التي يقودها شعب أعزل، لا يملك من السلاح إلا (سكين المطبخ)، التي أثبتت أنها أداة فاعلة في المقاومة الشعبية، ونحن ندرك حقيقة أن جنود الاحتلال يقتلون الشباب الفلسطيني ويضعون السكاكين بجانبهم، في محاولة لدب الرعب في قلوب الآخرين، ولقطع الطريق على كل من يفكر بتنفيذ عملية طعن، ولدفع الشبان الفلسطيني للتسليم بعدم جدوى هذا النوع من المقاومة، وبالتالي الكف عنه، لكن رغم أعمال القتل والاغتيال التي تجري هنا وهناك، لتحجيم هذه الانتفاضة، إلا أنها ماضية ومتواصلة بطرقها وأساليبها المختلفة.

– لكن البعض يرى أن وتيرتها قد خفتت قليلاً؟.

علينا أن نعلم أن المقاومة الشعبية لا تتم بشكل يومي في كل المناطق، وإنما يوم هنا ويوم هناك، ولعل الأحداث المتتالية، تؤشر بوضوح على أنها مستمرة، كما أنها أنهت الحديث عن أنها هبّة جماهيرية لأسبوع أو أسبوعين، وأفشلت مخططات نتنياهو، الذي أقر القوانين العنصرية بقمع راشقي الحجارة، وإصدار الأحكام العالية عليهم، وكذلك الحال محاولات جون كيري، الذي قدم إلى المنطقة خصيصاً لقمع وإنهاء الانتفاضة، ووصف التظاهرات الشعبية بأنها إرهاباً!!. ويجب أن لا ننسى أن الانتفاضة ألغت قرارات الاحتلال بفرض التقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى المبارك، أسوة بالحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل المحتلة.

– هناك “طعن” بزعم محاولات الطعن.. لكن أحياناً نتفاجأ بوصايا لبعض الشهداء تؤكد نيتهم تنفيذ عمليات طعن.. دعنا نوضح الأمر بصراحة وجرأة؟

الصورة الحقيقية للواقع الموجود، أن الاحتلال يتعمّد القتل والإعدام خارج نطاق القانون لأعداد كبيرة من الشباب الفلسطيني بحجة محاولات الطعن، والأنظمة العسكرية حسب المدونة العسكرية العالمية، تُجرّم عمليات القتل طالما يمكن السيطرة على من يحاول القتل، وفي كل عمليات الإعدام والقتل العمد التي نفذتها قوات الاحتلال ضد الشبان والفتيات في فلسطين، كان بالامكان السيطرة عليها، وفي المقابل هناك عمليات طعن حقيقية تتم بين الحين والآخر، والشباب الفلسطيني هو من يقرر بذاته كيف ومتى وأين تكون.. ونحن نحكم على روايات الاحتلال بالكذب وتزوير الحقائق، لمعرفتنا المسبقة بأساليبه ومكره.

– تميزت هذه الانتفاضة بأنها “دون أب”.. كيف يبرز دور الفصائل الفلسطينية في دعمها؟

هناك تنسيق بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، واجتماعات مستمرة، بهدف بلورة بعض الفعاليات، ويجب أن لا نغفل هنا أن من بدأوا بالانتفاضة هم تابعين لفصائل فلسطينية.. صحيح أن الانتفاضة انطلقت دون توجيهات من هذه الفصائل، لكن على سبيل المثال الشهيد مهند الحلبي، الذي فجر الانتفاضة وقام بهذا الفعل الجهادي الرائع والكبير، هو ابن الجهاد الاسلامي.. الشباب الفلسطيني أربك الاحتلال دون أن يكون هناك قيادة للمقاومة، لكن القوى والفصائل الوطنية لن تترك هؤلاء الشباب يقطعون الطريق وحدهم.

– هذا إعلان صريح بأن الجهاد الإسلامي هو من فجر الانتفاضة الحالية.. والسؤال هنا لماذا برز دور حركتكم في هذه الانتفاضة بشكل أكبر وأوسع من سابقاتها؟.

الجهاد الاسلامي، منذ لحظة الانطلاقة في ثمانينيات القرن الماضي، يمارس المقاومة والاشتباك مع الاحتلال بعيداً عن الصخب الإعلامي، فقد كان لنا دور كبير خلال الانتفاضة الأولى، وكذلك الحال في انتفاضة الأقصى، وفي معارك مخيم جنين خلال اجتياحه العام (2002)، وتوج هذا الدور في حرب “البنيان المرصوص” بقطاع غزة، فكان للجهاد الإسلامي مجهود كبير تجاوز الـ(50%) من المجهود الحربي، وفي الانتفاضة الحالية، يحسب لحركة الجهاد مشاركتها الجماهيرية الفاعلة.. نحن مع البوصلة الحقيقية لأي جهد عربي أو إسلامي للدفاع عن فلسطين، نرفض الاقتتال العربي العربي، والإسلامي الإسلامي، وما من جهد لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، إلا وكانت بنادقنا طرف فيه.

– طالما تتمتعون بهذه القوة والشعبية الجارفة، لماذا لا تشاركون بالانتخابات الفلسطينية.. ألم تزول الأسباب التي منعتكم من المشاركة في الانتخابات السابقة؟.

موقفنا ثابت وواضح، عدم المشاركة بأي انتخابات في ظل اتفاق أوسلو، وهذا موقف نهائي، هناك توجهاً بأن تقتصر مشاركاتنا بانتخابات البلديات والجامعات، أما الانتخابات الرئاسية والتشريعية وغير ذلك، فهذا لن يحدث قبل اعلان رسمي بانتهاء العمل باتفاق أوسلو، لكن قد يتغير الحال، فنحن لسنا ضد الانتخابات من حيث المبدأ، وإنما ضد أوسلو، وفي حال تغير الواقع، قد يكون لنا حديث باتجاه مشاركة معينة بالانتخابات العامة.

– لكن أوسلو انتهى.. وهذا باعتراف أصحابه؟.

– أوسلو موجود، ولم ينتهي بعد، الذي يعطل تصاعد الانتفاضة هو أوسلو.. الذي يمنع التظاهرات الفلسطينية في مناطق التماس والاشتباك مع قوات الاحتلال هو أوسلو.. الاعتقال السياسي في مناطق الضفة من ثمرات أوسلو، الانتخابات السابقة كلها كانت مسقوفة بسقف أوسلو، وبالتالي موقفنا مبدئي، ولا رجعة عنه، لن نشارك دون إعلان رسمي بانتهاء هذا الاتفاق سيء الصيت والسمعة.

– الإنقسام الفلسطيني.. الخنجر المسموم في ظهر القضية الفلسطينية.. هل من دور لحركتكم في تقريب المسافة بين حركتي فتح وحماس، وطي هذه الصفحة السوداء في كتاب تاريخ النضال الفلسطيني؟.

هناك مساعي حقيقية يبذلها الجميع لإنهاء الانقسام، ونحن جزء من هذه المساعي والتحركات، لتذليل العقبات التي تحول دون تحقيق المصالحة بين حركتي حماس وفتح، ولا شك أن الانقسام أضر بالقضية الفلسطينية وهو أخطر عليها من الاحتلال الإسرائيلي، ويجب أن ينتهي، وبقدر ما نحن حريصون على المصالحة الفلسطينية، بقدر ما نرفض “المحاصصة” السياسية والثنائية بين الحركتين المتصارعتين، فالوطن الفلسطيني للجميع، ويجب أن يشارك في بنائه الجميع، ولا يمكن بحال من الأحوال أن ينحصر الموضوع الفلسطيني في فصيلين، لأن فلسطين أكبر من الجميع.

– دعنا نتكلم أخيراً عن الموقف العربي ما له وما عليه، كيف تقيمونه وما المطلوب منه؟.

الموقف العربي بوجه عام لم يعطِ الاهتمام اللازم بالقضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، ربما لانشغال غالبية الدول العربية بقضاياها الداخلية، لكن هناك بعض المبادرات تقف على رأسها قطر، وهذا (ليس من قبيل الدعاية) لكوني أتحدث لصحيفة قطرية، فقطر ساهمت في كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، والتخفيف من معاناة المواطنين هناك من خلال قوافل المساعدات الإنسانية، كما أنها أعادت إعمار غزة بعد الحرب، ونحن ننتظر الآن من يعيد إعمار منازل الشهداء في الضفة، فهناك جهد شعبي يقوم على جمع التبرعات لبناء منازل جديدة لعائلات الشهداء، وهذا الجهد يأتي في ظل تقاعس الحمل الرسمي للشعب الفلسطيني، ولسد الثغرات الواسعة في الموقف العربي، وهو جهد كبير ومثمّن، لكنه ليس بديلاً عن الجهد الرسمي للسلطة الفلسطينية، والجهد العربي، ومن هنا نطالب الأشقاء العرب، وخصوصاً الدول النفطية، بأن يكون لها دور فاعل في توفير سبل الدعم لمن تشردوا من عائلات الشهداء، وأصبحوا ينامون في الخيام.

نقلاً عن (الوطن) القطرية

 

 

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *