كاميرا الانتفاضة.. إنحياز لـ”الضحية” يستغله الإحتلال للتغطية على إرهابه

الشروق – كتب محمـد الرنتيسي:

في خطوة بدت يائسة، للرد على النقاط التي تسجلها الكاميرا “المحايدة” لصالح الشعب الفلسطيني “الضحية”، في ساحات المواجهة بين المتظاهرين وجنود الاحتلال، المدججين بالموت من أصابعهم حتى أخمص قدميهم، وتنقلها إلى مختلف أرجاء الكون، لجأت قيادة جيش الاحتلال، قبل أيام، إلى تزويد جنودها في هذه المواجهات، بكاميرات تلفزيونية، إلى جانب البنادق، لتصوير ما أسمته بـ”الاستفزازات والاعتداءات التي يتعرضون لها من قبل متظاهرين فلسطينيين”، لتنقلها تالياً إلى وسائل الإعلام العالمية، الباحثة عن الصورة الأكثر درامية في هذه المواجهة.

وزارة جيش الاحتلال، قالت في بيان لها، حول هذه الخطوة: “يعتقد (جيش الدفاع) أن استخدام وسائل التصوير من الجانب الفلسطيني، يشوه جنودنا، ويظهرهم بمظهر المعتدي، حيث يعرضهم معتمرين الخوذ والستر الواقية، ويطلقون النار على راشقي الحجارة من الأطفال”!!.

وزودت قيادة الجيش، جنودها بتعليمات لالتقاط صور لشبان فلسطينيين، يرشقون قواتها بالحجارة، أو يهاجمونها بالسكاكين، وأوضحت في بيانها، أن الجندي الإسرائيلي سيتزود من اليوم فصاعداً بسلاحين، البدقية والكاميرا.

ولعبت كاميرا شبكات التلفزة ووكالات الأنباء العالمية، دوراً كبير الأهمية، في نقل صورة حية لأحداث الانتفاضة الحالية، منذ اندلاعها، موثقة الكثير من الاعتداءات الدامية، والصارخة، التي قامت بها قوات الاحتلال، لقمع هذه الانتفاضة، وهو ما ساهم بدرجة كبيرة في إثارة الرأي العام في مختلف أنحاء العالم، ضد إسرائيل، وخصوصاً في العالمين العربي والإسلامي، حيث خرجت وما زالت، المظاهرات الصاخبة المنددة بإسرائيل، وحليفتها أميركا، والمطالبة بإغلاق السفارات ومكاتب التمثيل الإسرائيلية.

وشكلت هذه التظاهرات عامل ضغط كبير على الإدارة الأميركية، التي لم تخفِ مخاوفها وقلقلها على الاستقرار في المنطقة، فسارعت للتحرك على أكثر من مستوى، من أجل إطفاء هذا الحريق، الذي وصل إلى جسدها، على إيقاع أحداث الانتفاضة، والتي تصل إلى العالم كل يوم، وكل ساعة، عبر شاشات المحطات الفضائية.

وإن كان الدور الذي لعبته الكاميرا في الانتفاضة قد سجّل الكثير من النقاط لصالح الشعب الفلسطيني، الذي يتعرض أطفاله وفتيته الصغار وشبابه، للقتل على أيدي القناصة من جنود الاحتلال، وتتعرض منازل أبنائه ومنشآتهم للهدم والتدمير من قبل جرافات جيش الاحتلال، فإن سلطات الدولة العبرية، تمكنت من استغلال بعض الممارسات الانفعالية للجمهور الفلسطيني الغاضب، وتسويقها في وسائل الاعلام العالمية، كمظهر “اعتداء”.

فعندما لاحق الشهيد إياد العواودة، من مدينة الخليل، جندياً إسرائيلياً بالسكين في مدينة الخليل، عمدت إسرائيل إلى نشر الصورة في مختلف وسائل الإعلام العالمية، كي تظهر “براءة” جنودها، أمام “إرهاب” الشبان الفلسطينيين، وكذلك فعلت لدى انتشار صورة الشاب ماهر الفروخ، الذي طارد بالحجر، جندياً مدججاً بالسلاح، في مدينة البيرة.

ويقول صحافيون فلسطينيون، يعملون في وسائل إعلام أجنبية، أن إسرائيل، عندما بثت تلك الصور، إلى وسائل الإعلام العالمية، عن هذين الحادثين، حاولت إلحاق الضرر، بسمعة الشعب الفلسطيني، من خلال إظهار شبابه، كأناس لا يأبهون بالقيم والمشاعر الإنسانية.

يقول محمـد عليان، وهو من أوائل الصحافيين الذين عملوا لدى شبكات تلفزة أميركية وعالمية: “بدا الإسرائيليون، وكأنهم في أمس الحاجة لصورة تمسح من ذاكرة العالم، مشهد اغتيال الطفل محمـد الدرة في إنتفاضة الأقصى، وهو يحتمي خلف والده، أمام الرصاص المفتوح عليهما بكثافة، من قبل جيش الاحتللال”.

ويضيف: “أنا أُحمّل سلطات الاحتلال، المسؤولية عما لحق بالجنديين، وما قد يحدث لغيرهما، بإرسالهما إلى أماكن المواجهات، وقبل كل شيء استمرار الاحتلال، لكني أدرك أن الصور التي بُثت للحادثتين، من قبل سلطات الاحتلال، ووسائل إعلامها، حاولت إلحاق الضرر بالشعب الفلسطيني وانتفاضته”.

وكانت شبكات ومحطات تلفزة أميركية وعالمية شهيرة، بثت مراراً صوراً للحادثتين، وأظهرت الصور المبثوثة، كيف أن الجنود المدججين بالسلاح، لم يستعملوا أسلحتهم أمام من يهاجمونهم من الشبان الفلسطينيين، رغم أن بإمكانهم فعل ذلك، لكن جرائمهم كانت أكبر، بعيداً عن عين الكاميرا.

وفي حين ينحاز المصورون الفلسطينيون لقضيتهم، ويحاولون رفع معنويات أبناء شعبهم ببعض الصور التي تجسد مواقف بطولية، للشبان المنتفضين، وفي ذات الوقت تظهر جبن وهشاشة الجندي الإسرائيلي، تعمل آلة الإعلام الإسرائيلية، ليل نهار، لاستغلال هذه الصور، في الاتجاه المعاكس تماماً، محاولة خداع الرأي العالمي العام، وإظهار جنودها وكأنهم “حمائم سلام”، وأنهم يدافعون عن أنفسهم فقط، أمام “اعتداءات” الفلسطينيين عليهم!!.

وفي غمرة الأحداث الجارية، يبدو المصورون الفلسطينيون، في عين العاصفة، إذ غالباً ما يواجهون الاعتداءات والرصاص، من قبل جيش الاحتلال، خصوصاً في الأيام التي يشتد فيها قمع قوات الاحتلال للتظاهرات الفلسطينية، فتحاول هذه القوات، حجب الحقيقة، من خلال مصادرة كاميرات بعض الصحافيين، ومسح الصور من ذاكرتها، كي لا يتمكن المصورون من نشرها، وبالتالي كشف فظاعة بطش الاحتلال، فضلاً عن استهدافهم بالرصاص والقنابل الغازية.

وفي إحصائية للجنة الحريات بنقابة الصحافيين الفلسطينيين، عن أول شهرين من الانتفاضة، أظهرت أن هناك (110) حالات انتهاك لحرية الصحافة، بينها شهيد، و(30) إصابة بالرصاص الحي والمعدني، في صفوف الصحافيين الفلسطينيين.

 

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *