أمهات الشهداء.. لسن ككل البشر.. يجسدن حالة واحدة لا تتكرر في الكون

كتبت أمان السائح:
عندما تبكي أم الشهيد.. اتعلمون ماذا يدور في الفلك، انها زلزلة الارض في سماء هادئة تعج بغيوم صامتة، ياالله كم يوجعنا بكاؤك ام الشهداء، كم يبكينا صمودك وقوتك وصبرك وربما زغاريد تملا الكون صراخا ودموعا..
كم نراك وانت تحتضنين جسد شهيدك بين يديك وتقبلين يديه ووجنتيه وجبينه وكل جسده، وهو الاولى ان يقبل اقدامك، لكنه غادرك في ذاك اليوم وهو يتلقف ويلهث بنظرات صامتة لك ويغادرك ويخبرك بانه يا امي ارضي عني، ارضي عني فانني لمغادر، وهي لا تدري انه مغادر الى الجنة ومغادر بلا عودة حياتية لكنه مغادر الى حيث النعيم وحيث الحياة الاخرى..
اه ام الشهيد اه امنا جميعا واختنا جميعا وابنتنا جميعا، لن اقول ان بكاءك يكشف عجزنا،لا فتلك الكلمات اصبحت بمثابة ذر الرماد بالعيون، واحاديث اعلامية لا تطابق الواقع، فانت لا تشبهين احدا سوى جبروتك وقوتك وقهرك للعدو الصهيوني، وانت تودعين روحك واحساسك ونبض مشاعرك وقلبك الى حيث اللارؤية والى حيث اللاعودة، انك نبض خارق لكل المشاعر لا تشبهين احدا الا انت ولا يفهمك احد سوى نفسك،فانت فقط مصدر فخرنا وقوتنا..
كيف يودعون ابناءهم ؟ كيف يتركون كل الصرخات والدموع والقلوب؟ كيف يحيون لحظاتهم بان ابناءهم قد ذهبوا حصيلة ظلم وقهر واحتلال غاشم، هن يؤمن بان ابناءهن ذهبوا لاجل فلسطين وبان الوطن احن عليهم من امهاتهم واهلهم وكل اسرهم، هن يؤمن بانهن اخترن الاجمل والاقوى وانهم غادروا الحياة لاجل حياة اجمل واروع وانهم وهبوا دماءهم لفلسطين..
امهات الشهداء يودعن ابناءهن بقوة وصرخة تتحدى كل امهات العالم بجبروتهن وقوتهن وعظمة مشاعرهن، فالام ان مرض ابنها ان شعر بالوجع، ان ادى امتحانا، وان سافر، تراها تذهب الى عالم الدمع والحزن وصرخات الاشتياق والوجع والقلق، لكنهن امهات فلسطين مختلفات، نعم مختلفات القلب مختلفات الروح ومختلفات،لسن مثل الجميع لسن امهات مثل اي ام، هن يعشن حالة التوحد مع الوطن بشكل لا يفهمه الا مثلهن، انهن يعشن قصة عشق مع الارض والوطن ومع الدفاع عن الهوية والارض بكل الاشكال، وان كل ارواحهن واولادهن ورجالهن فداء للارض وان لا معنى للدماء وهي تلتحم مع الارض والحجر، انهن الحالة غير العادية الخارقة التي لا تشبه شيئا الا العظمة وانحناء كل الهامات امام جبروت وداعهن لابنائهن..
انها القصص التي لا تفارقنا يوميا ونحن نراهن في حالات اشبه بعدم التصديق، فها هي تودع ابنها بزغاريد وورود واحتفال لا ينسجم مع دقات القلب، وعظيمة اخرى تصر على حمل نعش ابنها وتقف الى جانب الرجال لانها فقط اخت الرجال بكل قوتها، وقامة اخرى تنظر الى ابنها المسجى بدمائه والملتف بعلم الوطن وتلامس يداها الطاهرتان وجهه وجبينه وكأنها تهديه للوطن زمردة طاهرة، وتقبل جبينه ويديه، وهو الابن الذي لا بد ان يقبل وجه امه ويديها قبل ان يغادر الى اي مكان.
عظيمة انت ام الشهداء وفريدة انت يا فلسطيننا يا قدسنا وخليل الرحمن وامهاتها اللاتي فقدن العشرات وكن بالفعل هامة عشق لهذه المدينة التي يحق لها ان تسمى باسم مدينة الشهداء وكل امهاتها بامهات الوطن..
هل لنا جميعا ولو لبرهة ان نحلل ما يحصل لام الشهيد بعد ان تعلم بتلك اللحظة ان ابنها قد استشهد، هل يمكن لعقل بشري ان يقرأ ما يحصل لها، هل يمكننا ان نتصور لحظة توجهها لترى جثمانه الطاهر وهو يلتف بكوفية وطنه ويجوب الحارات والازقة مودعا ارضه والورود تلقى عليه من كل صوب، هل لنا ان نفكر لحظة كيف تتلقى خبر وفاجعة فقدانه، وهي تقول لنا جميعا اصبروا ابني فداء لفلسطين، ابني اليوم سيزف الى عروسه، ابني لم يمت بل استشهد وهو اليوم عريس فلسطين وعروسته كل بنات الوطن..
هل لنا ان نتذكر كلماتها.. لنعلم العالم درس البطولة والصبر.. هل لنا ان نرى معالم وجهها الذي يكاد ينفجر دما وقهرا والقا باستشهاد ابنها لتكون الملامح رسالة عظيمة لكل ام على ارض الوجود، هل لنا ان نرقب كلماتها التي تهديها لكل من جاء اليها وهي تقول لهم لا تبكون ابني فاليوم عرسه الحقيقي، هل لنا ان نقرا دقات قلبها ونبض روحها وهي تجلس ابنها الشهيد على سريره وترقبه وهو ممد في غرفته لانها تريد ان تلقي عليه تحية الوداع بكل سلام..
هل لنا ان نركع ساجدين نلقي نحن جميعا عليهن تحية الاكبار والحب والاجلال وان نحول هؤلاء الامهات ليكن تاج فخر لنا جميعا اينما ولينا وجوهنا، ولنمنحهم مساحة حقيقية من التعبير، ولنكشف المستور في قلوبهن الموجوعة حرقة والما، ونمنحهن دعاء لعل الصبر يفتح في نفوسهن بوابة الامل بغد مختلف كملامحهن القاسية الحنونة..
اه امهات شهدائنا الاشاوس اعذرونا فمدرسة حياتكن وصبركن وصمودكن لن تدرسها كل جامعات العالم وكل قواميس اللغة لن تجد لها فكرة او مفهوما او حتى حالة مشابهة، نرقب المشهد ووجهه ودمعاته وصموده ووحشية الاحتلال، ونلتفت لنتجه نحو القبلة المشرفة ونسجد ركعتين شكرا لله تعالى الذي اوجد مثلكن على كوكب الارض لتزيد الارض بكبريائكن بهاء وكرامة.

عن (الدستور) الأردنية


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *