مواقف نادرة في الشجاعة والبطولة تُنشر لأول مرة في الذكرى الـ(11) لرحيل “الختيار”: الفلسطينيون يستذكرون “بساطة العظمة” و”عبقرية المُقاتل” في ذكرى رحيل “أبو عمار”

رام الله – الشروق – محـمد الرنتيسي:

أحد عشر عاماً، مرت على رحيل الرئيس الفلسطيني التاريخي (محمـد عبد الرحمن عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني)، وهو الاسم الحقيقي لياسر عرفات، ولا تزال أسباب رحيله لغزاً محيراً، في ظل اقتناع الفلسطينيين، صغيرهم وكبيرهم، بأن “الوالد” أو “الختيار” كما يحلو لهم أن يسموه، قضى مسموماً، بقيام “إسرائيل” بدس السم له، بتشجيع ومباركة من الولايات المتحدة الأميركية، بالنظر الى التهديدات العديدة بالقتل، التي سبق أن تعرض لها من قبل عديد الحكومات الإسرائيلية، والحصار الخانق الذي فرض عليه بين كومة من الحجارة، في مقره برام الله، من قبل تل أبيب وواشنطن معاً.

أحد عشر عاماً، مضت، ولا زال الفلسطينيون، يحفظون عن ظهر قلب، عباراته الشهيرة: “النصر آت والفجر آت والدولة على مرمى حجر.. يا جبل ما يهزك ريح.. سيرفع شبل من أشبالنا وزهرة من زهراتنا، علم فلسطين، فوق مآذن القدس، وكنائس القدس، وأسوار القدس، شاء من شاء وأبى من أبى”.. ولا زالوا يستذكرون البطل والإنسان، ويحنّون للأبوّة والبطولة، وشخصية القائد الفذ، والبسيط، الذي قاد النضال الفلسطيني لسنوات عديدة، وبات رمزاً يجمع عليه الكل الفلسطيني، بما في ذلك من اختلفوا معه بالرأي والمواقف يوماً ما، ويحيي الفلسطينيون اليوم، الذكرى الـ(11) لرحيله.

“الشروق” تُطالع المناسبة، فترصد محطات ووقفات هامة، في حياة “الختيار” تضمنت مشاهد بطولية، لا يعلمها إلا “ثلة من الأوّلين المقرّبين” ممن عاصروه وعايشوه.

بساطة العظمة:

الدكتور ناصر القدوة، وهو نجل شقيقة الرئيس الراحل، قال إن حياة الرئيس أبو عمار، الحافلة بالعديد من الأعمال البطولية، والنضال الوطني، لم تخلُ من العاطفة والانسانية الصادقة، التي تصل حد السماء السابعة، فالرحمة التي وضعها الله في قلب الرئيس وأبوته ليس لها نظير، ويواصل: “لا اعتقد أنه يوجد طفل فلسطيني لم يشعر بحنو الرئيس.. دائماً كنا نسميه (الوالد)، فقصة الأبوّة في حياته لم تكن عابرة، كان بحق “أبو الجميع”.

ولا ينفي القدوة، إمكانية أن تكون إسرائيل هي من قتلت ياسر عرفات، لاسيما وأن الأطباء الذين عاينو حالته، لم يلغوا هذه الفرضية، ويستنير في ذلك، إلى أن الرئيس أبو عمار، وبسبب تواضعه المفرط، لم تكن حراسته بالمستوى المطلوب، وكان يقابل مئات الزوار في المقاطعة أثناء فترة حصاره، ولم يكن يرد أحد، وكان يحصل على الحلوى وبعض الأدوية منهم، كما كان معرضاَ للوخز بالدبابيس، التي كان يضعها بعضهم على صدره ويعلقها بملابسه، وكان يتلقى الهدايا منهم دون رقابة.

أعمال أبو عمار الإنسانية، هي التي رسخت أبوته، يقول القدوة، ويضيف: “كان يحرص على زيارة الجرحى على أسرّة الشفاء، وكذلك أسر الشهداء والأسرى في الأعياد، وكان يقدم المساعدات للمعوزين بشكل واسع، وكل الكتب التي كانت تصل اليه بخصوص المساعدة، كان يصادق عليها دون تردد، أكانت مساعدة في زواج أو دراسة أو علاج”.. كان رقيقاً طيب القلب، تماماً كما كان بطلاً مقاتلاً، جسوراً وشجاعاً، لا يعرف الجبن أو الخوف، ويغرس المعنويات في نفوس المقاتلين، كان يهتم بالآخرين أكثر من نفسه، لقد كان بحق غصن زيتون وبندقية”.

أبو الوحدة الوطنية:

يجمع الفلسطينيون بشتى انتماءاتهم وأطيافهم السياسية، أن أبو عمار كان رمزاً للوحدة الوطنية بكل ما تعني الكلمة من معنى، فكان يؤمن بأن البندقية الفلسطينية يجب أن توجه فقط الى صدر العدو المحتل، باعتبار أن الدم الفلسطيني خط أحمر، لا يمكن تجاوزه، ويعتبر الكثيرون، أن اسرائيل اغتالت الوحدة الوطنية، عندما اغتالته، والشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس في ذات العام، ويقول أحدهم: “كان أبو عمار حاضراً بقوة في كل المناسبات الوطنية، حتى تلك الخاصة بحركة حماس، لقد أقام بيوتاً للعزاء في مقره بالمقاطعة، عند استشهاد الشيخ ياسين، ومن بعده الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ومن قبلهما الشهيد البطل يحيى عياش.. كان يقبل رأس الشيخ ياسين في كل مرة يلتقيه، وكان يسقيه الماء بيديه، ولم أرَ في حياتي رئيساً يُقبّل أيدي الجرحى وأرجلهم إلا أبو عمار، كان أبو الجميع.. وأبو الوحدة الوطنية”.

زحمة في شارع الزهراء:

في سيارة تحمل أرقام وشارة “وكالة الأمم المتحدة” جلس شابان متجاورين، وقد شُحنت السيارة بالأسلحة والقنابل والرصاص، وفي شارع الزهراء بالقدس، تعطلت السيارة، فنزل أحدهما ليدفعها، وتصادف أن مرت دورية عسكرية إسرائيلية، فما كان منه إلا أن طلب من الجنود المساعدة في دفع السيارة، بعد أن “عزم” عليهم بالسجائر الأمريكية الفاخرة، فاستجابوا بسهولة.. كان الشابان هما: مصطفى عيسى وياسر عرفات، وكان ذلك في العام 1967 بعيد النكسة بشهور.. قصة فيها الكثير من الذهول، وكثير من الاعجاب، خاصة وأن عنصر السخرية والمخاطرة يفوق كل تصور، كان الشابان من رجال المقاومة الوليدة، وكانت السيارة مليئة بالمتفجرات والأسلحة، وكانا يريدان نقل هذه الشحنة إلى مكان آمن، ليتم تخزينها، ومن ثم توزيعها على رجال المقاومة.. إنه أسلوب نادر من البطولة والشجاعة.

ولا يزال فنجان القهوة ساخناً:

قبل خمس دقائق فقط، نزل عرفات، ومصطفى عيسى وزوجته وطفلته الرضيعة، من البناية التي طوقها جيش الاحتلال، وكان الرجلان مجتمعين في بناية وسط مدينة رام الله، مكونة من ثلاثة طوابق، تطل على مستشفى رام الله، وتلتحم بمنازل مخيم قدورة الشهير.. فجأة غادرا على عجل، وبعيد دقائق، وصلت مجموعة من جنود الاحتلال، فلما صعدوا إلى البيت، وتفقدوا المكان، أدركوا أن رجال المقاومة غادروا قبيل لحظات، إذ كانت القهوة لا تزال ساخنة.

كان أبو عمار يرأس أحد اجتماعاته، ويحتسي القهوة برفقة صديقه “أبو فراس” الذي كانت ترافقه زوجته وطفلته الرضيعة، فجأة نهض أبو عمار بسرعة، والتفت إلى صديقه، وأشار عليه بأن يضع المتفجرات في مهد الصغيرة، وبالفعل حملت الأم صغيرتها، ووضعت المتفجرات في ثيابها، وانطلق الجميع مغادرين المكان بسرعة، من خلال سيارة كانت تنتظرهم.. هذه واحدة من القدرات العجيبة لدى الرئيس ياسر عرفات، على استشعار الخطر والإحساس به، والإفلات من براثن الموت في اللحظات الأخيرة، وهذا ما تكرر عشرات المرات، على امتداد حياته، فقد بلغ درجة عالية من الحس الأمني، بما يجعله قادراً على استشعار الخطر، قال عنه إنه إلهام سماوي، كان يساعد البطل على السخرية من الموت، والإفلات من براثن الأعداء.

أنا أقول (لا) وأدعوكم إلى حفل جنازتي:

في منتجع كامب ديفيد الشهير بالعاصمة الأميركية، قال الرئيس كلينتون لياسر عرفات، إمضِ، أي “وقّع”.. كان ذلك العام 1999، ووصلت اتفاقية كامب ديفيد الثانية، بين “إيهود باراك” رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، والرئيس عرفات، إلى نقطة حاسمة، كان الوفد الإسرائيلي يريد أن يعيد أكثر من خمس وتسعين في المائة من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى السيادة الفلسطيينية، وأما الخمسة في المائة الباقية، فكانت خاضعة للمقايضة والمبادلة، وكان ذلك جميل ومقبول على الرئيس عرفات، غير أن ما رفضه الرئيس، هو التنازل عن حق اللاجئين، كما رفض التنازل عن السيادة على القدس الشرقية.. احتدم النقاش، واكفهر الجو.. وتعقدت المسائل، ووصلت المفاوضات إلى حافة الهاوية، قال ياسر عرفات: “لن أتنازل، لا يجوز لي أن أفرّط في حق العودة، فهذا حق شخصي”.. قال كلينتون بعصبية، وهو يضغط على مخارج الحروف: لا أحد هنا يقول لي (لا).. فرد الرئيس عرفات على الفور: “أنا أقول (لا).. وأدعوكم إلى حفل جنازتي غداً”.

موقف مبدئي أمين، سيذكره التاريخ دائماً لياسر عرفات، فلم ولن يجرؤ بعده أي سياسي، مهما كان حجمه ووزنه، على تجاوز هذا الحق، مهما كانت التحديات، وتعاظمت التضحيات.

مهر العروسة ومهر فلسطين:

في شقة صغيرة بمدينة الكويت العاصمة، حيث يقيم العروسان خليل وانتصار الوزير، وكان ذلك قبل انطلاق الثورة الفلسطينية العام 1965، اجتمع نفر قليل من مؤسسي حركة فتح، وكان بينهم ياسر عرفات وسليم الزعنون وخليل الوزير “أبو جهاد”، وفي خضم النقاشات، تبلور رأي يقول: لا بد لنا من خمسين ألف دينار، قبل أن نبدأ الكفاح المسلح، ونقوم بأول عملية عسكرية حقيقية، ولا سبيل إلى جمع هذا المبلغ بين عشية وضحاها، قال عرفات: لن ننتظر يوماً واحداً، سنقوم بأول عملية عسكرية فجر اليوم الأول من العام 1965، كما خططنا، احتدم النقاش وعلت أصوات المعارضة، واتفق المجتمعون على قيادة جماعية من ثلاثة أشخاص، وهم: ياسر عرفات وسليم الزعنون ومحمد يوسف النجار، وكان ياسر عرفات يرى أنه لا بد من مباشرة الأعمال العسكرية فوراً، وكان الزعنون مع مبدأ التأجيل، فاتفق عرفات مع الزعنون على أن يذهب الزعنون إلى مقابلة محمد يوسف النجار لاستطلاع رأيه، وقال له عرفات: “إذا كان رأيه أن نؤجل، فلا تريني وجهك، وإذا كان رأيه من رأيي فعلى بركة الله”، وذهب الزعنون وقابل النجار الذي أيّد وجهة نظر عرفات، تناقش الرجال الثلاثة، في آلية التنفيذ، فقال عرفات: “سليم الزعنون قاضٍ، ومحمـد يوسف النجار صحفي، أما أنا فرجل عسكري، استريحوا أنتم، وأنا سأعدّ وأنفذ كل شيء”.. وبالفعل، كان أبو عمار رجلاً مقاتلاً لا يتردد، ولا تثنيه خزعبلات التأجيل، وهكذا كان مهر فلسطين، وانطلقت الثورة الفلسطينية فجر اليوم الأول من العام 1965.

وإلى أين من هنا؟:

بعد ثمانية وثمانين يوماً من المعارك الطاحنة في بيروت، أقلعت السفينة الفرنسية، وعلى متنها مقاتلي الثورة الفلسطينية بأسلحتهم، كان ياسر عرفات آخر من صعد إلى السفينة، التي تحمل جنود منظمة التحرير لتقلع بهم من بيروت إلى مكان مجهول، وكانوا أكثر من ستة عشر ألف مقاتل غادروا بيروت مع أسلتحهم، بعد أن أهدوا أسلحتهم الثقيلة إلى الجيش اللبناني، وكان ذلك عشية حرب العام 1982، ولم تكد السفينة الأخيرة تتحرك، حتى انبرى أحدهم ليسأل ياسر عرفات، والآن إلى أين من هنا؟.. قال عرفات: “إلى فلسطين، إلى مآذن القدس”.. أذهلت الإجابة من كانوا حول الرئيس، ولكن بعد إثني عشر عاماً، وتحديداً في العام 1994، عاد ياسر عرفات مع رفاقه إلى فلسطين، فدخل غزة، وهو يقول لكل من حوله.. ألم أقل لكم؟.

 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *