المحلل السياسي عادل سمارة في حوار شامل مع “الشروق”: هزيمة المقاومة ستعزز مقاومة جديدة.. وستنعى مشروع التسوية للأبد

رام الله – الشروق – حوار أجراه محمد الرنتيسي:

أكد المفكر القومي والمحلل السياسي والاقتصادي، د. عادل سمارة أن العدوان الهمجي على غزة يستهدف بالأساس رأس المقاومة الفلسطيني، وأن القضاء عليها في هذه المرحلة سيعزز مقاومة جديدة، وسينعى مشروع التسوية السياسية والحل السلمي للأبد.

وأشار سمارة الى المنطقة العربية أصبحت تشكل محطة تجريبية فيما يتعلق بالمقاومة سواء في إخفاقاتها أو نجاحاتها، لافتاً الى الدور الكبير والفاعل الذي حققته البندقية مقابل الدبابة والصاروخ رغم فارق الكم والامكانيات.

وحول السياسة الأمريكية الجديدة والمنتظرة في عهد الرئيس الاسود المنتخب “أوباما”، أوضح سمارة أنه لن يكون من الساهل تغيير تراث أمريكا في الوطن العربي، اذ ستشدد من قضبتها دعماً للكيان الصهيوني، في حين سيكون أوباما أكثر شراشة في الحفاظ على أمن ومصالح المؤسسة الرئاسية الامريكية، ولن يلتفت لمصالح الشعوب العربية.

وفيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية العالمية، أشار سمارة الى أن هذه الأزمة كشفت عن الضعف الحقيقي لأيديولوجيا رأس المال والعولمة التي وعدت الناس بالثراء والوفرة، مستبعداً حصول ثورة حقيقية في بلدان أمريكا وأوروبا تؤدي الى اسقاط النظام الرأسمالي قريباً، مدللاً على ذلك بانتخاب أوباما، مرشح الجناح المدني للصناعة الأمريكية وفوزه بالرئاسة.

المفكر الدكتور عادل سمارة، تحدث عن هذه القضايا بالتفصيل، مستعرضاً الأهداف والتطورات والاحتمالات، ذلك في حوار شامل وصريح مع “الشروق”، هذا نصه:

غزة.. المطلوب رأس المقاومة :
حول الحرب على غزة وأهدافها وتداعياتها أشار سمارة إلى أنه ما بين بداية الكيان الصهيوني والفترة الحالية هناك تغيير كبير جداً بالمفهوم التاريخي، فاسرائيل التي كانت تحلم بفكرة الحركة الصهيونية، دولة “من النيل الى الفرات” اصبحت الآن عاجزة عن اقتحام غزة.

وقال: “في 1948 اغتصبوا وطن، وفي 67 أكملوا على ما تبقى من هذا الوطن، وفي 73 هزموا هزيمة غير متوقعة في حرب تشرين، وفي 82 حاصروا المقاومة الفلسطينية 81 يوماً في بيروت دون أن يتمكنوا منها، واذا ما نظرنا لهذه الرسوم البيانية، نكتشف أن المشروع الصهيوني بدأ يهتز أمام الشارع الصهيوني، الذي بدأ يتسأل قادته، “خضتم حروب عدة ضد العديد من الدول ولم نعرف عنها، لسرعة حسمكم لها، والآن تعجزون عن مقاومة فصائل متسلحة ببعض الأسلحة البدائية..؟”.

وأكد سمارة أن العدوان على غزة ليس المقصود به الأصولية وحركة حماس، ولكن المقصود هو رأس المقاومة التي حلت محل الدول في مواجهة اسرائيل، وبدا واضحاً الآن أن حروب الهزائم التي كانت من نصيب الدول، تحل مكانها انتصارات تُسجل للمقاومة، ولذلك فان الهدف الرئيس لهذا العدوان هو اجتثاث المقاومة، والجانب الخطير فيما يجري أن العالم العربي الرسمي بعضه مع العدوان، بينما العالم الشعبي يقف معنا، وهذا تغيير في منتهى الأهمية تاريخياً، فلم يكن يجرؤ أحد على انتقاد الصهيونية، ولذا فان المقصود بالفعل هو رأس المقاومة.

وأضاف: “هناك عدة سيناريوهات لما يجري في غزة في نفس الوقت، السيناريو الأول يتمثل في ضربة الصدمة، اسرائيل اعتقدت أن قيادة حماس ربما تُقتل أو تهرب أو تستسلم من الضربة الأولى، لكن ما حدث لم يؤخذ في عين الاعتبار، وبالتالي لجأت اسرائيل للانتقام من الشعب وتلقينه درساً من خلال المذابح واستمرار القصف الجوي، والذي قوبل باستمرار اطلاق الصواريخ وتطويرها.

أما السيناريو الثاني، إذا تمكنت إسرائيل من الاستمرار في العدوان، قد تتمكن من اسقاط سلطة غزة، وهذا سيكون مقبولا لدى الكثيرين عربياً، وسيؤدي إلى إسقاط السلطة سياسيا ومعنويا، بهدف إبقاء الفلسطينيين منقسمين الى جناحين في غزة والضفة الغربية”.

وحول وضع المقاومة في غزة، أشار سمارة إلى أن تكتيك المقاومة هناك ناحج، وقد استفادت المقاومة من تجربة حزب الله في لبنان، ويمكن أن يكون هناك بعض التدريبات لفصائل المقاومة قد جرت مع المقاومة اللبنانية، هناك بعض الانظمة العربية تعمل على خلق اشتباك بين السنة والشيعة في الوطن العربي، لكن ما يجري الآن تعاون مقاومة سني وشيعي ويفتح آفاق جديدة من الوعي والتضامن والوحدة الشعبية عربياً، وقد لاحظنا أن مثل هذا العدوان سواء ما جرى في حرب العراق أو في لبنان عام 2006 أو في فلسطين في حملة السور الواقي، عادة ما يحرك الجماهير في كل المدن والعواصم العربية والعالمية.

وأكد أن هذه الأزمات تبين الموقف العربي بحقيقته، فنجد أن الشارع الرسمي في اتجاه، والموقف الشعبي في اتجاه آخر، وعلى الرغم من قوة التظاهرات التي يقودها الشارع الشعبي الا أنها لا تكفي لحركة التحرر العربي، اذ لا بد من البحث لايجاد آليات شعبية جديدة ليس فقط لنصرة غزة، وانما لمواجهة النظام الرسمي أيضاً، مشيراً إلى أن الانقسام الرسمي والشعبي العربي سيؤدي الى توترات، وأضاف: “هزيمة المقاومة في هذه المرحلة ستعزز مقاومة جديدة، وستنعى مشروع التسوية للأبد”.

وشدد سمارة على أن هناك تسارع بين تيارين في غزة، تيار العقلانية وضرورة الهدوء وتيار المقاومة، مشيراً إلى أن المقاومة وعدمها يعتمد على الشارع العربي في الضغط على الموقف الرسمي، وخاصة الشارع المصري فيما يتعلق بفتح المعابر، وقال: “لا اعتقد أن القادم حلول لهذا الوضع، ولست مع الحديث عن محاولات تلزم مصر بغزة، هناك محاولة لأخذ تغييرات في الموقف السياسي لحركة حماس، أو القضاء على المقاومة، ولا اعتقد أن حماس ستتخلى عن هاتين النقطتين”.

المنطقة العربية.. دروس في المقاومة:
وحول الوضع العام للمقاومة العربية قال سمارة : “حرب العصابات والمدن لم تعد تجدي، وقد ثبت في تجربة حزب الله، وغزة حالياً انه لا يزال للبندقية دور مع فارق الكم الناري والدبابات..، استطاعة الفرد للمقاومة بالبندقية بحد ذاته مقاومة”، مشيراً إلى أن العنصر البشري في التاريخ له دور كبير في القدرة على التغيير في مسار المعارك والاستبسال.

وأشار إلى أن العالم العربي يشكل محطة تجريبية فيما يتعلق بالمقاومة، سواء الفلسطينية، اللبنانية، العراقية، أو الصومالية، وكل واحدة من هذه هي مدرسة بحد ذاتها، مؤكداً أن الوطن العربي لا زال مخترقاً من الدول المعادية، التي تتعاون مع العدو وتروّج له، واصفاً الوضع في العراق بأن، “السلطة في موقف والمقاومة في موقف آخر”.

وجدد سمارة التأكيد على أن المنطقة العربية تقدم للعالم دروساً في المقاومة، سواء في إخفاقاتها أو نجاحاتها، وهذا ما جسده الشارع العربي مع غزة، إذ أن المقاومة الشعبية مفهوم عالمي، والجيل الشاب يبحث دائماً عن ثورة، وإذا لم تحصل في بلده فإنه يحلم أن يمارسها في منطقة أخرى.

وأضاف: “بمقدار ما تمكنت الدول العربية من تكبيل المشترك العربي، فإن المقاومة تعيد خلق الثقافة القومية والقاعدة الشعبية وهذا ما يبشر بانتصار المقاومة ولو على المدى البطيء والبعيد”، موضحاً أنه بعد هزيمة المشروع القومي اليساري العربي لغاية أوائل السبعينات، وبعد قيامهم بإنعاش الإسلام السلفي تولد الاسلام الجهادي أو الشعبي، وبالتالي الإسلامي الشعبي ذهب الى المقاومة، حماس وحزب الله قامت بفتح الطريق للتحالف المقاوم اسلامياً وقومياً، وهذا ما حاول حسن نصر الله العمل عيه.

وبالعودة إلى الوضع القائم في غزة، وما يجسده دور المقاومة هناك، أشار سمارة إلى أنه في هذه الأزمة يذهب الشارع العربي الى عد تنازلي، فيما يخص تماسك البعد القومي والمشترك القومي.

وقال: “السلطة الفلسطينية لا تزال حاسمة أمرها باتجاه المساومة “المفاوضات”، وليس المقاومة، وهذا ما جعل الشارع متوتراً وشبه محايد.. هناك برود مقاومة في الضفة ليس نتيجة خراب في الفعاليات الشعبية وانما بسبب الصراع القائم في الجانب الفلسطيني”.

أمريكا بقيادة أوباما.. أكثر شراسة:
وحول توجهات وسياسية أمريكا في عهد الرئيس المنتخب أوباما، أوضح سمارة إلى أن هذا الرئيس بالأساس مدعوم من (الوول ستريت) المؤسسة الصناعية الامريكية “الجناح المدني”، ومدعوم خاصة من الفقراء، فقد اعتقد (40) ألف مليون منهم أنه سيكون رجلهم الى السلطة، وهو كذلك “مرضي عنه” من اللوبي الصهيوني، مشيراً إلى أنه لا يصل للرئاسة الا من هو حريص على أمن المؤسسة ومصالحها”.

وتوقع سمارة أن التغيير القادم في توجهات أمريكا لن يكون في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن أوباما ربما يكون أكثر شراسة للحفاظ على المصالح الامريكية ولن يكون لديه شعور بالعدالة واحترام مصالح الشعوب.

وأضاف: “يمكن أن يكون هناك تغيير بالنواحي الاقتصادية، ما يعني أن التغيير سيكون في إطار الأمن الداخلي وليس الخارجي، أمريكا ستكون أكثر تقربا إلى الصين، لأن الدعم المالي يتطلب الضغط على الصين حتى تدخل في صندوق النقد الدولي”.

أما على مستوى الوطن العربي فتوقع أن لا يطرأ أي تغيير حقيقي، إذ ليس من الساهل تغيير تراث أمريكا في الوطن العربي، مؤكداً: “لن تتراخى قبضة أمريكا في دعم الكيان الصهيوني، وأوباما ربما يكون أكثر شراشة”.

الأزمة الاقتصادية.. خلل الرأسماليين:
وحول الأزمة الاقتصادية العالمية أشار سمارة إلى أن هذه الأزمة انتقلت من القطاع المالي الى الانتاجي، ما جعل منها أزمة حقيقية كشفت عن الضعف الحقيقي لأيديولوجيا رأس المال والعولمة التي وعدت الناس بالثراء والوفرة، موضحاً أنها لعبت دور في تراجع وكفر كثير من الاشتراكيين بالتخلي عن مراكزهم الفكرية، كما كشفت عن الخلل الاخلاقي لدى الرأسماليين.

وحول السيناريوهات المحتملة لهذه الأزمة قال سمارة: “يجب أن نضع بعين الاعتبار أنه في أمريكا وأوروبا لم يصل الحد بالناس للجوع لعدم توفر المواد الغذائية، وإذا جرى تغيير جذري في هذه البلدان، سيكون ناتجاً عن الوعي بخطورة الاستغلال وليس بسبب الجوع”.

وأضاف: “ليس متوقعاً أن تحصل ثورة حقيقية في هذه البلدان وأن يسقط النظام الرأسمالي قريباً، وأحد الأدلة على ذلك انتخاب أوباما مرشح (الوول ستريت) الجناح المدني للصناعة الأمريكية، وبالتالي اهتمام الشارع الامريكي لم يصل لما هو أبعد من رفض (ماكين) وانتخاب (أوباما) وهما ممثلان لرأس المال، ما يعني أن الثورة لا تزال بعيدة”.

وتابع: “لا شك أن هناك كثيرين سيعانون من النواحي الاقتصادية، هناك (31) مليون في أمريكا يعيشون على الـ(food stam)، للمعيشة، وهذه الأزمة ستزيد من معاناتهم”.

وأشار سمارة إلى أن المواطن في دول أمريكا وأوروبا بدأ يدرك بأن رأس المال أذل الملايين، لعدم توفر الوعي السياسي والطبقي، غير أن هذا الذل لم يدفعهم للثورة، مبيناً أنه في الأزمات، السوق هو من يعدل نفسه وليس الناس.

وختم قائلاً: “هناك حالة فقدان للعديد من الناس الرأسماليين.. حالات الفقر والجوع ستكون في العالم الثالث أكثر من الدول الرأسمالية.. التراخي على دول العالم الثالث والبلدان المفتقرة للتنمية، سيكون محكوم بدول أوروبا، باعتبار أن سيطرتها على بلدان العالم أقل.. مركز الثورة العالمية يمكن أن يحصل في دول العالم الثالث التي تعيش أزمة حقيقية، وكلما اتسعت الدائرة سيكون هناك تغيير أكثر في هذه الدول”.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *